هل صح سند زيارة الأربعين؟

السؤال: ما مدى صحَّة سند زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين، وهل يصحُّ ما يُقال من عدم تماميَّته؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية، لا بأس بالإشارة إلى المصادر التي نقلت نصَّ زيارة الأربعين، ثمَّ نعمد إلى دراسة السند الذي رُويت به، لنتبيَّن مدى اعتباره من الناحية الرجاليَّة، وهل هو تامٌّ أم لا. فنقول ومن الله تعالى التوفيق.

قال الشيخ الطوسيّ (طاب ثراه): «أخبرنا جماعةٌ من أصحابنا، عن أبي محمَّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبريّ قال: حدَّثنا محمَّد بن عليّ بن معمر قال: حدَّثني أبو الحسن عليّ بن محمَّد بن مسعدة والحسن بن عليّ بن فضَّال، عن سعدان بن مسلم، عن صفوان بن مهران الجمَّال قال: قال لي مولاي الصادق (صلوات الله عليه) في زيارة الأربعين: تزور عند ارتفاع النهار وتقول: السلام على وليِّ الله وحبيبه، السلام على خليل الله ونجيبه، السلام على صفيِّ الله وابن صفيه، السلام على الحسين المظلوم الشهيد ... الزيارة» [تهذيب الأحكام ج6 ص113، مصباح المتهجِّد ص 788].

ورواها جمعٌ من أعلام الإمامية أيضاً، مما يكشف عن مدى أهميتها في تراث الإمامية [ينظر: المزار الكبير للمشهديّ ص514، إقبال الأعمال ج3 ص101، مصباح الزائر ص٢٨٨، المزار للشهيد الأوَّل ص185، البلد الأمين ص٢٧٤، المصباح ص٤٨٨، الوافي ج14 ص ١٥٨١، بحار الأنوار ج98 ص331، وغيرها من المصادر].

إذا بان هذا، فلنعد إلى سند الزيارة المباركة، فنقول:

1ـ رواها شيخ الطائفة الطوسيّ (طاب ثراه) عن جماعةٍ من أصحابنا، ومصطلح الجماعة في اللغة العربيَّة ثلاثةٌ فما فوق، ومن البعيد أنَّ يكون ثلاثةٌ من مشايخ الشيخ الطوسي غير ثقات، وبالتالي تدلُّ هذه التركيبة على وثاقة أحدهم على الأقل، ووثاقة أحدهم كافيةٌ في اعتبار السند.

قال شيخنا الإيروانيِّ (دامت بركاته): (أما الجماعة؛ فلأنَّ أقلَّها ثلاثة، ولا نحتمل اجتماع ثلاثةٍ من مشايخ الطوسي على الكذب، خصوصاً وبالإمكان تحصيل الاطمئنان بأنَّ أحد الثلاثة هو المفيد أو الحسين بن عبيد الله الغضائريّ، حيث يكثر الشيخ عنهما النقل في الفهرست) [دروس تمهيدية في القواعد الرجالية ص298].

2ـ عن أبي محمَّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبريّ، وهو من وجوه أصحابنا الإمامية وثقاتهم.

قال الشيخ النجاشيُّ في حقِّه: (كان وجهاً في أصحابنا، ثقة، معتمداً لا يطعن عليه) [رجال النجاشيّ ص421].

3ـ عن أبي الحسين محمَّد بن عليّ بن معمر الكوفيّ، من فقهاء الشيعة ومحدِّثيهم، ومن مشايخ الإجازة عندهم.

قال ابن النديم - في فقهاء الشيعة ومحدِّثيهم وعلمائهم - ما هذا لفظه: (ابن معمر: أبو الحسين بن معمر الكوفيّ، وله من الكتب كتاب قرب الإسناد) [الفهرست ص312].

وقال الشيخ الطوسيّ – في ترجمته -: (سمع منه التلعكبريّ سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة) [رجال الطوسي ص442].

وقال السيد البروجرديِّ: (ويظهر من ذلك أنَّه من علماء الإمامية كما في المنتهى، وفي الوجيزة: ممدوح) [طرائف المقال ج1 ص197]. وكذلك نصَّ على حُسن حاله الشيخ عبد الرسول الغفاريّ [يُنظر: الكافي والكلينيّ ص182].

ومنه يتَّضح: أنَّ الرجل إنْ لم يكن من الثقات؛ لكونه من الفقهاء ومشايخ الإجازة، فهو حَسَنُ الحال، وهذا المقدار كافٍ في قبول روايته، خصوصاً في أمثال الباب ـ الزيارات ـ الذي يتسامح العلماء فيه، كما هو واضح.

4ـ عن أبي الحسن عليّ بن محمَّد بن مسعدة والحسن بن عليّ بن فضَّال جميعاً، ويكفينا في ذلك وثاقة أحدهما فقط.

أمَّا أبو الحسن عليّ بن محمَّد بن مسعدة: فقد قال في حقِّه السيد الخوئيّ: (عليّ بن محمَّد بن مسعدة، أبو الحسن. روى عن سعدان بن مُسلم، وروى عنه محمَّد بن عليّ بن معمر) [معجم رجال الحديث ج13ص 172]. ولم يذكره غيره من الرجاليين، إلَّا أنَّ الأمر من ناحيته غير مهم؛ وذلك لوثاقة الحسن بن عليّ بن فضَّال معه في السند، كما سيتضح.

وأمَّا الحسن بن عليّ بن فضَّال: فهو من ثقات الأصحاب، كما نصَّ الشيخ الطوسيّ على ذلك بقوله: (الحسن بن عليّ بن فضَّال، مولى لتيم الرباب كوفيّ ثقة) [رجال الطوسي ص354].

فتبيَّن: أنَّ وثاقة الحسن بن عليّ بن فضَّال كافيةٌ في اعتبار السند المذكور، من دون حاجةٍ إلى معرفة أحوال الراوي عليّ بن محمَّد بن مسعدة، لكونهما في عرضٍ واحدٍ في السند، مما يعني كفاية التوثيق لأحدهما فقط.

إشكالٌ وجواب:

قد يُقال: «إنَّ الحسن بن عليّ بن فضَّال من الطبقة السادسة، ولا يتسنَّى لابن معمر أنْ يروي عنه مباشرة، والمظنون قوياً أنَّ حرف العطف (و) في قوله (والحسن بن عليّ بن فضَّال) مصحَّف حرف الجر (عن) كما وقع مثله في عشرات الموارد في كتب الحديث. وعلى هذا، فإنَّ عليّ بن محمَّد بن مسعدة ـ الذي هو حفيد مسعدة بن صدقة كما يظهر من بعض الأسانيد، ويُعدُّ من الطبقة السابعة؛ لأنه يروي عنه ابن معمر الذي هو من الثامنة، ووردت روايته عن عبد الرحمن بن أبي نجران الذي هو من السادسة، مثل ابن فضَّال ـ يكون وسيطاً بين ابن معمر وابن فضَّال» [ينظر: قبسات من علم الرجال ج3 ص657]. وليس في طوله حتَّى يصح الاكتفاء بابن فضَّال عن دوره في الرواية؟

والجواب: يُمكن أنْ يقال: «إنه بالرغم مما ذُكر، فإنه يُمكن تقريب الاعتماد على الرواية المذكورة؛ لأنَّ ابن معمر وابن مسعدة لم يكونا من أصحاب الكتب، وإنَّما من مشايخ إجازة كتب الآخرين، والملاحظ أنَّ النجاشيّ عدَّ من كتب الحسن بن عليّ بن فضَّال (كتاب الزيارات)، والظاهر أنَّ التلعكبريّ ـ الذي نصَّ الشيخ على أنه روى جميع الأصول والمصنَّفات ـ إنما استخرج رواية صفوان المذكورة من ذلك الكتاب، وحيث إنَّ كتب بني فضَّال كانت مشهورةً معروفةً في ذلك العصر ـ كما عليه شواهد مذكورة في محلِّها ـ فلا حاجة في الاعتماد على ما اُستخرج منها، إلى ملاحظة السند إليها» [يُنظر: قبسات من علم الرجال ج3 ص657].

وعليه، فالسند تامٌّ إلى هنا، سواء تمَّ ما ذكر سابقاً من كونهما في عرض واحد أو لا، كما صار واضحاً.

5ـ عن سعدان بن مُسلم الكوفيّ، وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، ومن رجال كتابي تفسير القمّيّ وكامل الزيارات، وممن روى عن ابن فضَّال، وروى عنه ابن أبي عمير، وهذا المقدار كافٍ في إثبات وثاقته.

قال السيد الخوئيّ: (عدَّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) قائلاً: سعدان بن مُسلم الكوفيّ. وفي كامل الزيارات الباب (79) في زيارات الحسين بن عليّ (عليه السلام). وروى عنه إبراهيم بن هاشم تفسير القمّيّ، وعدَّه ابن داوود في القسم الأوَّل، وعن السيد الداماد: أنَّ سعدان بن مُسلم شيخ كبير القدر، جليل المنزلة، له أصل. رواه عنه جماعة من الثقات والأعيان كصفوان بن يحيى وغيره وهو معدود في الفهرست. وكيف كان، فطريق الصدوق إليه: محمَّد بن الحسن (رضي الله عنه)، عن محمَّد بن الحسن الصفَّار، عن العبَّاس بن معروف، وأحمد بن إسحاق بن سعد جميعاً، عن سعدان بن مُسلم، واسمه عبد الرحمن. والطريق كطريق الشيخ إليه صحيحٌ) [معجم رجال الحديث ج9 ص104، بتصرُّف].

وقال (طاب ثراه) في موضع آخر: (والطريق صحيحٌ وإنْ كان فيه سعدان بن مُسلم، فإنه ثقة) [معجم رجال الحديث ج5 ص157].

وقال السيد محمَّد رضا السيستانيّ: (سعدان بن مُسلم: الذي لم يوثَّق في كتب الرجال، ولكنه من رجال كامل الزيارات، ومن مشايخ ابن أبي عُمير، فيُمكن البناء على وثاقته وفق المسلكين المعروفين فيهما، والمختار تمامية المسلك الثاني دون الأوَّل) [قبسات من علم الرجال ج3 ص656].

6ـ عن صفوان بن مهران الجمَّال، وهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) الثقات، كما نصَّ عليه الأعلام.

قال الشيخ النجاشيّ: «صفوان بن مهران بن المغيرة الأسديّ، مولاهم ثمَّ مولى بني كاهل منهم، كوفيّ، ثقة» [رجال النجاشيّ ص194].

فتبيَّن من ذلك كلِّه تمامية سند الزيارة المطهَّرة، واعتباره وفق المقاييس الرجاليَّة التي ذكرها علماء الرجال.

مؤيِّدات ومؤكِّدات:

1ـ تصريح جملةٍ من العلماء والفقهاء بتمامية سندها واعتباره وفق الميزان الرجال، فمنهم: العلَّامة المجلسيّ في كتابه المطبوع باللغة الفارسيَّة [تحفة الزائرين ص460]، والشيخ خضر بن شلَّال العفكاويّ في كتابه [أبواب الجنان ص405]، والميرزا حسين النوريّ في كتابه المطبوع باللغة الفارسيَّة [تحية الزائر وبلغة المجاور ص165]، والعلَّامة المحقق السيد حيدر الحسنيّ الكاظميّ في كتابه [عمدة الزائر ص163]، والشيخ عبَّاس القمّيّ في كتابه المطبوع باللغة الفارسيَّة [هدية الزائرين ص192]، والسيد محمَّد صادق الروحانيّ في كتابه [التقليد والعقائد ص395 ـ 397]، والسيد جعفر مرتضى العامليّ في كتابه [مختصر مفيد ج11 ص97]، والسيد محمَّد رضا السيستانيّ في كتاب [قبسات من علم الرجال ج3 ص658]، وغيرهم.

2ـ إنَّ زيارة الأربعين من الزيارات التي تلقَّاها العلماء بالقبول، ومن ثمَّة فقد رواها كثير منهم كالشيخ الجليل محمَّد بن الحسن الطوسيّ، والشيخ محمَّد بن المشهديّ، والسيد ابن طاووس، وغيرهم من أجلَّاء الطائفة المحقَّة كما تقدَّمت الإشارة إليهم. وعليه، تدخل الزيارة المطهَّرة في دائرة المعتبرات للاتفاق على الأخذ بما كان مقبولاً.

3ـ إنَّ بعض المضامين التي توجد في بعض الأدعية أو الزيارات عالية جداً، بحيث يكون المضمون وحده كاشفاً عن صدوره عن المعصوم، وبالتالي لا حاجة إلى دراسة السند، إذ الغرض من صحَّة السند هو التحقُّق من صدور المضمون، والحال أننا نطمئن بصدوره عنهم (عليهم السلام)، وزيارة الأربعين المشرَّفة حاويةٌ لذلك؛ فتكون معتبرة من هذه الجهة، مضافاً إلى أنَّ مضامينها العالية موجودة في سائر الزيارات الأُخرى مما يصعِّد في نسبة الإطمئنان بصدورها من منبع واحد.

4ـ إنَّ زيارة الأربعين من الأمور المستحبة، وقد ذهب المشهور من العلماء إلى جريان قاعدة التسامح في أدلَّة السنن في المستحبات والأدعية والزيارات وغيرها، وبالتالي لا نحتاج إلى دراسة السند في زيارة الأربعين أو غيرها من المستحبَّات.

قال السيد السبزواريّ (طاب ثراه): (قد جرت سيرة العلماء على التسامح في المندوبات التوصلية، وفي أدلّة المكروهات، والفضائل والمعاجز والأخلاقيات وما ورد لدفع الأوجاع والأمراض وما ورد لقضاء الحوائج من الصلوات والدعوات) [تهذيب الأصول ج2 ص172].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ما تقدَّم: هي الحكم بصحة الزيارة المطهَّرة وإمكان التعويل عليها، كما تبيَّن مفصَّلاً، نسأل الله تعالى أنْ يرزقنا زيارة الحسين (عليه السلام) وشفاعته.. والحمد لله ربِّ العالمين.