هل يبقى عقل الميت عند سؤاله في القبر؟
السؤال: إذا تُوفّي الإنسان ودفنه أهله، ثمَّ جاءه الملكان ليسألاه في قبره، فهل يكون حينئذٍ كامل الإدراك والعقل، أم يكون قد فقد قواه العقليّة، يُرجى بيان هذه المسألة مع ذكر الأدلّة عليها؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس بالإشارة إلى أنَّ المساءلة في القبر حقٌّ دلَّ عليها الدليل الشرعيّ، وهي أنْ يُسأل الميّت عمَّا يعتقد من العقائد في دار الدنيا، وعن الواجبات والمحرَّمات التي كان مكلَّفاً بها في دار الدنيا، فإنْ أجاب بالصواب فقد فاز بالجنَّة والرضوان، وإنْ لم يُجب فله النار والخسران.
إذا بان هذا، فلنعقد الكلام في بيان أمرين:
الأمر الأوَّل: أخبار المساءلة في القبر:
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى بشير الدهَّان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يجيئ الملكان منكر ونكير إلى الميّت حين يدفن، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يخطَّان الأرض بأنيابهما، ويطآن في شعورهما، فيسألان الميّت من ربك؟ وما دينك؟ قال: فإذا كان مؤمناً قال: الله ربي، وديني الإسلام، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي خرج بين ظهرانيكم؟ فيقول: أعن محمَّد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) تسألاني؟ فيقولان له: تشهد أنَّه رسول الله؟ فيقول: أشهدُ أنَّه رسول الله.
فيقولان له: نم نومةً لا حلم فيها. ويُفسح له في قبره تسعة أذرع، ويفتح له باب إلى الجنَّة، ويرى مقعده فيها.
وإذا كان الرجل كافراً دخلا عليه، وأقيم الشيطان بين يديه، عيناه من نحاس، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ وما تقول في هذا الرجل الذي قد خرج من بين ظهرانيكم؟
فيقول: لا أدري. فيخلِّيان بينه وبين الشيطان، فيسلَّط عليه في قبره تسعة وتسعين تنيناً، لو أنَّ تنيناً واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتت شجراً أبداً، ويفتح له باب إلى النار ويرى مقعده فيها» [الكافي ج3 ص٢٣٦].
2ـ وروى ـ أيضاً ـ بسنده إلى إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «يقال للمؤمن في قبره: من ربك؟ قال: فيقول: الله. فيقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام. فيقال له: من نبيك؟ فيقول: محمَّد. فيقال: من إمامك؟ فيقول: فلان. فيقال: كيف علمت بذلك؟ فيقول: أمرٌ هداني الله له وثبَّتني عليه. فيقال له: نم نومةً لا حلم فيها، نومة العروس. ثمَّ يفتح له باب إلى الجنَّة فيدخل عليه من روحها وريحانها، فيقول: يا ربِّ عجِّل قيام الساعة لعلِّي أرجع إلى أهلي ومالي.
ويقال للكافر: من ربك؟ فيقول: الله، فيقال: من نبيك؟ فيقول: محمَّد، فيقال: ما دينك؟ فيقول: الإسلام: فيقال من أين علمت ذلك؟ فيقول: سمعت الناس يقولون فقلته، فيضربانه بمرزبة لو اجتمع عليها الثقلان الإنس والجن لم يطيقوها، قال: فيذوب كما يذوب الرصاص، ثمَّ يعيدان فيه الروح فيوضع قلبه بين لوحين من نار، فيقول: يا رب، أخِّر قيام الساعة» [الكافي ج3 ص241].
3ـ وروى ـ أيضاً ـ بسنده إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «يُسأل الميّت في قبره عن خمس: عن صلاته، وزكاته، وحجِّه، وصيامه وولايته إيانا أهل البيت. فتقول الولاية من جانب القبر للأربع: ما دخل فيكن من نقص فعليَّ تمامه» [الكافي ج3 ص٢٤١].
إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
الأمر الثاني: السؤال مع كمال العقل:
تبيَّن من الأخبار المتقدِّمة: أنَّ الميّت ـ حين السؤال ـ يكون في كامل قواه العقليّة وإدراكه الكامل، وتكون النجاة بالإيمان والاعتقادات الحقَّة، كما يكون الخسران بالكفر وعدم الإيمان، كما هو واضح.
ويدلُّ على ذلك أيضاً: أنَّ الميّت الكافر لو كان غير مدركٍ ولا عاقلٍ، ومع ذلك عذَّبه الله تعالى، لكان هذا ظلماً، والله تعالى منزَّهٌ عن الظلم، كما يدلُّ عليه العقل والنقل، بل هو من ضروريّات الدين الإسلاميّ.
ويؤيِّد ذلك: ما روي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال لبعض أصحابه: «كيف أنت إذا أتاك فتَّانا القبر؟ فقال: يا رسول الله، ما فتَّانا القبر؟ قال: ملكان فظَّان غليظان، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يطآن في أشعارهما، ويحفران بأنيابهما، فيسألانك. قال: وأنا على مثل هذه الحال؟ قال: وأنت على مثل حالك هذه، قال: إذن أكفيهما» [بحار الأنوار ج6 ص215].
أقول: يُمكن أنْ يراد من قوله: «وأنا على مثل هذه الحال؟ قال: وأنت على مثل حالك هذه، قال: إذن أكفيهما» حالة الوعي والعقل الذي عنده حين الكلام، وليس الإشارة إلى الإيمان والعمل الصالح، والله العالم.
وقال الشيخ المفيد في هذا الباب: (فصلٌ: وليس ينزل الملكان إلَّا على حيٍّ، ولا يسألان إلَّا من يفهم المسألة ويعرف معناها. وهذا يدلُّ على أنَّ الله تعالى يحيي العبد بعد موته للمسألة، ويديم حياته لنعيم إنْ كان يستحقُّه، أو لعذاب إنْ كان يستحقُّه. نعوذ بالله من سخطه، ونسأله التوفيق لما يرضيه برحمته) [تصحيح اعتقادات الإماميّة ص١٠٠].
إلى غير ذلك ممَّا يدلُّ على ما قلناه.
بقي شيءٌ:
الروايات الشريفة دلَّت على أنَّ المساءلة في القبر ليست عامَّة للجميع، وإنَّما هي خاصَّة بمن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فأهل الإيمان الخالص يُسألون، وأهل الكفر الخالص يُسألون أيضاً، دون غيرهما.
روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يسأل في القبر إلَّا من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، والآخرون يُلهون عنهم» [الكافي ج3 ص٢٣٥].
وروى الكلينيّ نحوه عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وعن ابن بكير عن الإمام الباقر (عليه السلام) [ينظر: الكافي ج3 ص235].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك: أنَّ المساءلة في القبر حقٌّ دلَّ عليها الدليل، وأنَّها خاصَّة بمن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، وأنَّ الميّت عند سؤاله يكون بكامل وعيه وإدراكه العقلي، كما تبيَّن جليّاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق