هل وجودنا حقيقي أم مجرد وهم؟
السؤال: ما هو الردُّ على من يقول أنَّ وجودنا وجودٌ وهميٌّ، وليس حقيقيَّاً؟ أريد ردّاً بدليلٍ علميٍّ.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
القول إنَّ وجودنا كلَّه وهمٌ يهدم نفسه بنفسه؛ لأنَّ الوهم لا يمكن أن يوجد من دون موجودٍ يتوهَّم. فإذا قال شخص: «أنا واهمٌ في وجودي»، فقد أثبت في الجملة نفسها وجود ذاتٍ واعيةٍ يقع لها هذا الوهم. أمَّا العدم المحض فلا يفكِّر، ولا يشكُّ، ولا يتوهَّم، ولا يسأل عن وجوده.
فحتَّى لو افترضنا أنَّ كلَّ ما حولنا خداع، وأنَّ الحواس قد تخطئ، يبقى هناك شيءٌ لا يمكن إنكاره: هناك إدراكٌ وشعورٌ وتفكيرٌ يحدث الآن، ووجود هذا الإدراك وحده يكفي لإبطال القول إنَّ كلَّ شيءٍ غير حقيقي.
ومن الناحية العلميَّة، العالم الذي نعيش فيه يظهر لنا باعتباره واقعاً مستقلاً عن رغباتنا وأفكارنا، فإذا سخَّنت الماء تحت شروطٍ محدَّدةٍ حصلت نتائج قابلة للقياس، وإذا تناول الإنسان مادَّةً سامَّةً ظهرت آثار محدَّدة، وإذا أرسلنا مركبةً فضائيةً وفق حساباتٍ رياضيةٍ معيَّنةٍ وصلت إلى المسار المتوقَّع؛ فهذه النتائج لا تتغيَّر بحسب مزاج الإنسان أو اعتقاده. يمكنك أن تتمنَّى ألَّا تحرقك النار، لكنَّها تحرقك. ويمكنك أن تعتقد أنَّ جسماً لن يسقط، لكنَّه يسقط وفق القوانين نفسها. وهذا يعني أنَّنا نتعامل مع واقع يفرض نفسه علينا، لا مع خيال نصنعه بأذهاننا.
بل إنَّ نجاح العلم نفسه يعتمد على وجود هذا الواقع المنتظم. فالطب ينجح لأنَّ للجسم قوانين حقيقية، والهندسة تنجح لأنَّ للمادَّة خصائص حقيقية، والطائرات تطير لأنَّ قوانين الحركة والهواء ليست أوهاماً شخصية. ولو كان العالم كلُّه مجرَّد وهم بلا واقع ثابت، لما أمكن بناء علم يقوم على التنبُّؤ والتجربة والتكرار.
وقد يقول قائل: ربَّما نحن داخل «محاكاةٍ» كبيرة، وحتَّى هذا الافتراض لا يثبت أنَّ وجودنا وهم؛ لأنَّه لو كانت هناك محاكاة، فلا بدَّ أن تكون هناك منظومة حقيقية تعمل فيها هذه المحاكاة، ونحن موجودون فيها على نحوٍ ما، فكون الواقع أعمق ممَّا نراه لا يعني أنَّ وجودنا عدم أو خيال.
كما أنَّ فرضية «كلِّ شيء وهم» ليست فرضيةً علميةً؛ لأنَّها لا يمكن اختبارها، فمهما قدَّمنا من دليل يستطيع صاحبها أن يقول: «هذا الدليل نفسه جزءٌ من الوهم». وعندما تصبح الفكرة قادرةً على قبول كلِّ نتيجة ونقيضها، فإنَّها لا تعود تفسيراً علمياً؛ لأنَّ الفكرة العلمية يجب أن يمكن اختبارها ومعرفة ما إذا كانت صحيحةً أو خاطئةً.
وفي المحصِّلة، القول بأنَّ وجودنا كلَّه وهم لا يملك دليلاً علمياً، بل هو فرضٌ فلسفيٌّ ينهدم من داخله؛ لأنَّ الوهم نفسه يحتاج إلى موجودٍ واعٍٍ يتوهَّم، والعلم يؤيِّد وجود واقعٍ موضوعيٍّ من خلال ثبات القوانين، وتكرار التجارب، واتِّفاق المراقبين، والقدرة على التنبُّؤ بالنتائج.
نعم، قد تخطئ حواسنا في بعض التفاصيل، لكنَّ الخطأ في إدراك الواقع لا يعني أنَّ الواقع غير موجود، كما أنَّ الحلم لا يثبت أنَّ الحالم غير موجود.
اترك تعليق