هل زار الحسنان (ع) قبر والدهما أمير المؤمنين (ع)؟

السؤال: لك أنْ تتخيل سيدي الموالي، وأنتِ سيدتي الموالية: أنَّ الإمامين الحسن والحسين قضيا بعد مقتل أبيهما سنوات في يثرب، تراوحت ما بين عشر سنوات للأوَّل وعشرين سنة للثاني، ومع ذلك لم يُنقل أنَّ أحدهما كلَّف نفسه أنْ يشد الرحال إلى الكوفة لزيارة قبر أبيه، أو يصطحب أولاده وعياله للتبرُّك به، أو يحث شيعته على ذلك، مع أنَّ مثل هذا الحدث لو وقع لكانت دواعي نقله وحفظه متوفِّرة جدَّاً.

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء لا بأس أنْ يُعلم بأنَّ زيارة قبور الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) جائزةٌ ولا إشكال فيها، بل هي من المستحبَّات الأكيدة، وقد دلَّ على ذلك العديد من الأدلَّة، كما هو ثابت في محلِّه.

قال الشيخ محمَّد رضا المظفَّر: (مما امتازت به الإماميَّة العناية بزيارة القبور ـ قبور النبيّ والأئمَّة (عليهم الصلاة والسلام) ـ وتشييدها وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يضحون بكلِّ غالٍ ورخيص عن إيمان وطيب نفس. ومرد كلِّ ذلك إلى وصايا الأئمَّة، وحثِّهم شيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى، باعتبار أنَّها من أفضل الطاعات والقربات بعد العبادات الواجبة، وباعتبار أنَّ هاتيك القبور من خير المواقع لاستجابة الدعاء، والانقطاع إلى الله تعالى. وجعلوها أيضاً من تمام الوفاء بعهود الأئمَّة، إذْ أنَّ لكلِّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وأنَّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمَّتهم شفعاءَهم يوم القيامة) [عقائد الإمامية ص١٠١].

إذا بان هذا، فلنا بعض التعليقات، نذكرها ضمن أمور:

الأمر الأوَّل: أنَّ زيارة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) لقبر والدهما (عليه السلام) لا تنحصر بكونها علنيَّةً وأمام الناس، بل من الممكن أنْ تقع سرَّاً وخفاءً أيضاً، وذلك لما تقتضيه الحِكم والمصالح آنذاك، كالحِفاظ على سريَّة مكان القبر، لكونه مهدَّداً بالنبش من قبل الخوارج والأمويين.

ونظير ذلك: ما ورد في رواياتنا الشريفة من أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجَّ متخفِّياً عشرين حجَّة؛ لما اقتضته الحكمة والمصلحة في ذلك، فقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن سليمان بن مهران قال: «قلت لجعفر بن محمَّد (عليه السلام): كم حجَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: عشرين مستتراً، في حجة يمرُّ بالمأزمين فينزل فيبول. فقلت: يا ابن رسول الله، ولم كان ينزل هناك فيبول؟ قال: لأنه أوَّل موضع عُبد فيه الأصنام، ومنه أُخذ الحجر الذي نُحت منه هبل الذي رمى به عليٌّ من ظهر الكعبة، لما علا ظهر رسول الله، فأمر بدفنه عند باب بني شيبة، فصار الدخول إلى المسجد من باب بني شيبة سنَّة لأجل ذلك» [علل الشرائع ج2 ص٤٥٠].

وعليه، فلا يُمكن الجزم بعدم زيارتهما (عليهما السلام) لقبر والدهما (عليه السلام)؛ لاحتمال كونها وقعت بعيداً عن أعين الناس، كما كان إمامنا السجَّاد (عليه السلام) يزور قبر جدِّه أمير المؤمنين، وأبيه الحسين (عليهما السلام) خفيةً من دون أنْ يشعر به أحد من الناس [يُنظر: إقبال الأعمال ص٤٧٠].

الأمر الثاني: أنَّ عدم وجدان الروايات الدالَّة على زيارتهما (عليهما السلام) لقبر أبيهما (عليه السلام) لا يعني عدم وقوع الزيارة منهما، وإنَّما غاية ما يُقال: إنَّ المصادر التي وصلت إلينا لم تنقل ذلك لنا، إذْ يحتمل فقده وعدم وصوله إلينا.

والشاهد على ذلك: ضياع الكثير من الكتب والمصنَّفات، ككتاب مدينة العلم للشيخ الصدوق وغيره. وعليه، فلا يصحُّ الجزم بعدم صدور الزيارة منهما (عليهما السلام) اعتماداً على ما وصل إلينا من الكتب والأخبار، كما هو واضح.

الأمر الثالث: نحن نعتقد بأنَّ قول المعصوم وفعله حُجَّة، سواء صدر ذلك من الإمامين الحسنين (عليهما السلام) أم من غيرهما من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، فكلُّهم نورٌ واحد. وعليه، فإنَّ زيارة أحد الأئمَّة (عليهم السلام) كافيةٌ في إثبات استحباب زيارة قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإنْ لم تثبت زيارة باقي الأئمَّة (عليهم السلام)، وقد ثبت في الروايات الشريفة زيارة جملةٍ من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) لقبر أمير المؤمنين (عليه السلام) كما سوف نذكر إنْ شاء الله تعالى.

ومنه يتَّضح: أنَّ ما ورد في السؤال إنَّما ينمُّ عن رغبةٍ في التشكيك لا أكثر، وإلَّا فلو ثبتت زيارة أحد أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) لقبر جدِّه أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ لكان ذلك كافياً في إثبات الاستحباب والرجحان، وهو الغرض الأساس للشيعي، كما هو واضح وبيِّن.

من تلك الزيارات:

(1) زيارة الإمام السجَّاد (ع):

1ـ روى إبراهيم بن محمَّد الثقفي الكوفي بإسناده إلى جابر بن يزيد الجعفي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «مضى أبي إلى قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمجاز، وهو من ناحية الكوفة، فوقف عليه ثمَّ بكى وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أمين الله في أرضه، وحجَّته على عباده ... الزيارة» [الغارات ج2 ص ٨٤٧، فرحة الغري للسيد ابن طاووس ص ٧٠].

2ـ وروى السيد علي بن طاووس بسنده إلى جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «كان أبي علي بن الحسين (عليه السلام) قد اتخذ منزله من بعد مقتل أبيه الحسين بن علي (عليه السلام) بيتاً من شعر، وأقام بالبادية، فلبث بها عدَّة سنين كراهية لمخالطته الناس وملابستهم، وكان يسير من البادية بمقامه بها إلى العراق زائراً لأبيه وجدِّه (عليهما السلام)، ولا يشعر بذلك من فعله» [إقبال الأعمال ص٤٧٠].

(2) زيارة الإمام الباقر (ع):

فقد روى السيد علي بن طاووس بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) حكايةً عن أبيه (عليه السلام) وفيه: «فخرج (سلام الله عليه) متوجِّهاً إلى العراق لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنا معه وليس معنا ذو روح إلَّا الناقتين، فلما انتهى إلى النجف من بلاد الكوفة وصار إلى مكانه منه فبكى حتَّى اخضلَّت لحيته بدموعه ثمَّ قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته... الزيارة» [إقبال الأعمال ص ٤٧٠].

(3) زيارة الإمام الصادق (ع):

1ـ روى إبراهيم بن محمَّد الثقفي الكوفي عن صفوان الجمال قال: «حملتُ جعفر بن محمَّد (عليهما السلام) فلما انتهيتُ إلى النجف قال: يا صفوان، تياسر حتَّى نجوز الحيرة فنأتي القائم. قال: فبلغتُ الموضع الذي وصف لي فنزل فتوضَّأ ثمَّ تقدَّم هو وعبد الله بن الحسن فصلَّيا عند قبرٍ. فلما فرغا قلت: جعلت فداك، أي موضع هذا القبر؟ قال: هذا قبر علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو القبر الذي يأتيه الناس» [الغارات ج2 ص ٨٥٠].

2ـ وروى أيضاً عن أبان بن تغلب قال: «كنتُ مع الصادق (عليه السلام) فمرَّ بظهر الكوفة، فنزل وصلَّى ركعتين ثمَّ سار قليلاً فنزل فصلَّى ركعتين ثمَّ تقدَّم قليلاً فصلَّى ركعتين ثمَّ قال: هذا موضع قبر أمير المؤمنين» [الغارات ج2 ص ٨٥١].

(4) زيارة الإمام الهادي (ع):

1ـ قال جعفر بن محمَّد بن قولويه: «حدَّثني محمَّد بن الحسن بن الوليد (رحمه الله) فيما ذكر من كتابه الذي سمَّاه كتاب الجامع، روي عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه كان يقول عند قبر أمير المؤمنين (عليه السلام): السلام عليك يا وليّ الله، أشهد أنك أنت أوَّل مظلوم، وأوَّل من غُصب حقُّه... الزيارة» [كامل الزيارات ص٩٤].

2ـ وروى السيد عبد الكريم بن طاووس بسنده عن أبي القاسم بن روح وعثمان بن سعيد العمري، عن أبي محمَّد الحسن بن علي العسكري، عن أبيه (صلوات الله عليه)، وذكر: «أنه (عليه السلام) زار بها في يوم الغدير في السنة التي أشخصه فيها المعتصم، يقف عليه (صلوات الله عليه) ويقول: السلام على رسول الله خاتم النبيّين» [فرحة الغري ص١٣٦].

الأمر الرابع: أنَّ الملاحِظ لتراث الأئمَّة (عليهم السلام) يجدُ الحث الأكيد على زيارة قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) لا كما يقول السائل، من ذلك:

1ـ ما رواه ابن قولويه بسنده إلى المعلَّى بن أبي شهاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال الحسن لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبه، ما جزأ من زارك؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بني، من زارني حياً أو ميتاً، أو زار أباك، كان حقاً على الله (عزَّ وجلَّ) أنْ أزوره يوم القيامة، فأخلصه من ذنوبه» [كامل الزيارات ص٩١].

2ـ وما رواه الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من زار أمير المؤمنين (عليه السلام) عارفاً بحقِّه، غير متجبِّر، ولا متكبِّر، كتب الله له أجر مائة ألف شهيد، وغفر الله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وبُعث من الآمنين، وهون عليه الحساب، واستقبلته الملائكة، فإذا انصرف شيَّعته إلى منزله، فإنْ مرض عادوه، وإنْ مات تبعوه بالاستغفار إلى قبره» [الأمالي ص٢١٤].

إلى غيرهما من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى كما لا يخفى على المطالِع.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك: أنَّ زيارة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) لقبر والدهما (عليه السلام) يُمكن أنْ تكون سرَّاً وخفاءً مثلما كان يفعل إمام السجَّاد (عليه السلام)، كما أنَّ زيارة باقي الأئمَّة (عليهم السلام) لقبر جدِّهما كافٍ في تحقق الرجحان والاستحباب، وذلك لحجية أقوالهم وأفعالهم جميعاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.