هل كان الحسنان (ع) يذهبان إلى معاوية من أجل أخذ المال؟

السؤال: يقول بعضهم: (إنَّ الحسن والحسين كانا يذهبان إلى معاوية في الشام ويجتمعان به، ويستلمان الأموال والهدايا المليونيَّة منه). فهل صحَّ أنَّ الحسنين (عليهما السلام) كانا يذهبان إلى معاوية من أجل أخذ المال؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لعلَّ (بعضهم) المُشار إليه في السؤال يقصد بكلامه ما رواه ابن كثير الدّمشقيّ من أنَّ الإمامين الحسنين (عليهما السلام) كانا يذهبان إلى معاوية، وأنَّه كان يُغدق عليهما المال الكثير، وإليك نصُّ كلامه:

1ـ قال ما لفظه: «فلما استقرَّت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردَّد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، ويقول لهما: مرحباً وأهلاً. ويعطيهما عطاءً جزيلاً، وقد أطلق لهما في يومٍ واحدٍ مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماها أحدٌ قبلي ولا بعدي. فقال الحسين: والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلاً منا. ولما توفِّي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كلِّ عام، فيعطيه ويكرمه» [البداية والنهاية ج8 ص161].

2ـ وقال فيه أيضاً: «ووفد إليه مرَّة الحسن والحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بها أحدٌ قبلي. فقال له الحسين: ولم تعط أحداً أفضل منا» [البداية والنهاية ج11 ص444].

إذا اتَّضح هذا، فلنا بعض التعليقات، نذكرها ضمن أمور:

الأمر الأوَّل: لم يثبت ذهاب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الشام في زمن معاوية أبداً، وإنَّما الثابت هو ذهاب الإمام الحسن (عليه السلام) فقط، ممَّا يؤشِّر إلى وجود خللٍ فيما ذكره ابن كثير في كلامه المذكور آنفاً.

قال العلَّامة القرشيّ: (من الأخبار الموضوعة: ما روي أنَّ الإمام الحسين وفد مع أخيه الحسن على معاوية، فأمر لهما بمائة ألف درهمٍ وقال لهما: خذها وأنا ابن هند، ما أعطاها أحدٌ قبلي، ولا يعطيها أحد بعدي... إلى قوله: ولا مجال للقول بصحَّة هذه الرواية، فإنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يفد على معاوية بالشام، وإنَّما وفد عليه الإمام الحسن (عليه السلام)) [حياة الإمام الحسين ج2 ص٢٣٣].

الأمر الثاني: أنَّ ذهاب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى معاوية لم يكن من أجل أخذ المال كما قيل، وإنَّما كان من أجل بيان الحق المتمثِّل فيه وفي أهل بيته، وفضح معاوية في عقر داره. والشاهد على ذلك: المناظرات التي كان يخوضها آنذاك، والتي أبانت الكثير من الحقائق لمن كان مخدوعاً بمعاوية بن أبي سفيان.

1ـ قال العلَّامة القرشيّ: (إنَّما وفد عليه الإمام الحسن (عليه السلام) لا لأجل الصلة والعطاء كما يذهب لذلك بعض السذَّج من المؤرِّخين، وإنَّما كان الغرض إبراز الواقع الأمويّ، والتدليل على مساوئ معاوية، كما أثبتت ذلك مناظراته مع معاوية وبطانته، والتي لم يقصد فيها إلَّا تلك الغاية، وقد أوضحنا ذلك بصورة مفصَّلة في كتابنا حياة الإمام الحسن) [حياة الإمام الحسين ج2 ص٢٣٣].

2ـ وقال أيضاً: (اتّفق جمهور المؤرِّخين أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) قد وفد على معاوية في دمشق، واختلفوا في أنَّ وفادته كانت مرَّةً واحدةً أو أكثر، وإطالة الكلام في تحقيق هذه الجهة لا تغنينا شيئاً. وإنَّما المهم البحث عن سرِّ سفره، فالذي نذهب إليه أنَّ المقصود منه ليس إلَّا الدعاية لمبدأ أهل البيت (عليهم السلام) وإبراز الواقع الأمويّ أمام ذلك المجتمع الذي أضلَّه معاوية وحرَّفه عن الطريق القويم. أمَّا الاستدلال عليه، فإنَّه يظهر من مواقفه ومناظراته مع معاوية، فإنَّه قد هتك بها حجابه... إلى قوله: أمَّا الذاهبون إلى أنَّ سفره كان لأخذ العطاء فقد استندوا إلى إحدى الروايات الموضوعة فيما نحسب» [حياة الإمام الحسن ج2 ص301]. ثمَّ ذكر (طاب ثراه) جملة من تلك المناظرات الفاضحة لمعاوية وأنصاره، فراجع واغتنم.

الأمر الثالث: إنَّ الوارد في بعض الروايات المروية عندنا وعند العامَّة أنَّ الحسنين (عليهما السلام) كانا يقبلان الهدية الواصلة إليهما من معاوية، من دون أنْ يذهبا إليه من أجل أخذ ذلك المال.

1ـ فقد روى ابن سعد الزهري بسنده عن سُليمان بن بلال، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه: «أنَّ الحسن والحسين كانا يقبلان جوائز معاوية» [الطبقات الكبرى ج6 ص368، مصنف ابن أبي شيبة ج11 ص11].

2ـ وروى الحميريّ عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه: «أنَّ الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا يغمزان معاوية ويقولان فيه، ويقبلان جوائزه» [قرب الإسناد ص٩٢، تهذيب الأحكام ج6 ص ٣٣٧].

الأمر الرابع: أنَّ قبول الإمامين (عليهما السلام) الهدية من معاوية؛ لأنَّها كانت أموالهما التي غصبها معاوية منهم، أو لكونها كانت من الأخماس أو غير ذلك من الوجوه الشرعيَّة التي كان يقصدها الإمامان (عليهما السلام) عند الاستلام.

ولذلك نفى الإمام الرضا (عليه السلام) أنْ يكون المال الذي عند معاوية وبني أمية ملكاً لهم؛ لأنَّهم لا يملكونه شرعاً، فقد روى العلَّامة الراونديُّ أنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) عندما سُئل عن مال بني أمية، قال (عليه السلام): «ولبني أمية مال؟!» [الدعوات ص١١٩، بحار الأنوا ج100 ص55].

وللمزيد عن ذلك يُمكن مراجعة ما طرحه المحقّق الكركيّ والمجلسيّان وغيرهم [ينظر: الخراجيات ص٧٩، روضة المتقين ج6 ص487، ملاذ الأخيار ج10 ص٢٨٨، ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد ص60، وغيرها من المصادر الناصَّة على ذلك].

الأمر الخامس: إنَّ الإمامين (عليهما السلام) لم يكونا محتاجَينِ لتلك الهدايا الواصلة إليهما من معاوية بن أبي سفيان، وإنَّما كان أخذهما من أجل إنفاقها على الفقراء والمحتاجين الذين حرمهم معاوية من العطاء، لكونهم شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وليس أخذهما المال لهما أو لعيالهما البتَّة، كما هو واضح.

1ـ ذكر الشيخ الصدوق في العلل: (كان الحسن والحسين (عليهما السلام) ابنا علي (عليه السلام) يأخذان من معاوية الأموال فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما وعلى عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها) [علل الشرائع ج1 ص٢١٨، بحار الأنوار ج٤٤ ص١٣].

2ـ وقال العلَّامة المجلسيُّ: (رُوي متواتراً أنَّ الحسن (عليه السلام) لما صالح معاوية شرط أنْ يكون خراج دار أبجرد له ولأخيه، وكان أهلها مؤمنين يعتقدون إمامته وإمامة الحسين (عليه السلام) بعده، ولم يأخذا من معاوية شيئاً... إلى أنْ قال: مع أنَّهما قبلا لأولاد المؤمنين الذين قتلوا مع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بصفِّين، وحَكَمَ الملعون أنْ لا يُعطي لهم من ماله شيئاً، فأرادا (عليهما السلام) لهم لا لأنفسهما. وصنَّف محمَّد بن بحر الشيباني كتاباً في هذا المعنى وغيره من علمائنا، وذكروا الأخبار في هذا الباب) [ملاذ الأخيار ج10 ص٢٨٨].

3ـ وقال العلَّامة القرشيّ: (كان معاوية ينفق أكثر أموال الدولة على تدعيم ملكه، كما كان يهب الأموال الطائلة لبني أمية، لتقوية مركزهم السياسي والاجتماعي، وكان الإمام الحسين يشجب هذه السياسة، ويرى ضرورة إنقاذ الأموال من معاوية وإنفاقها على المحتاجين... إلى أنْ قال: وعلى أي حال، فقد قام الإمام بإنقاذ هذه الأموال من معاوية وأنفقها على الفقراء، في حين أنَّه لم يكن يأخذ لنفسه أي صلة من معاوية، وقد قدَّم له مالاً كثيراً وثياباً وافرة وكسوة فاخرة فردَّ الجميع عليه) [حياة الإمام الحسين ج2 ص٢٣١].

إلى غيرها من الكلمات الدالَّة على هذا المعنى.

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك: أنَّه لم يثبت ذهاب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الشام كما قيل، وإنَّما ذهب الإمام الحسن (عليه السلام) فقط، وذلك لغرض بيان الحق وفضح معاوية وأنصاره. وأمَّا الهدايا التي كانا يأخذانها منه، فهي أموالهما المغصوبة. وكانا (عليهما السلام) يصرفانها على الفقراء والمحتاجين من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذين حُرموا من العطاء زمن معاوية.. والحمد لله ربِّ العالمين.