هل التلفظ بالذكر الجماعي مستحب؟
السؤال: هل التلفُّظ بالذكر الجماعيّ ـ كالصلوات أو التسبيح أو قراءة القرآن ـ مستحبٌ، أم لم يرد ذكرٌ باستحبابه، فيكون بدعةً؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الشروع في تحرير الجواب لا بأس بتبيين المراد من السؤال بصورةٍ أوضح، فإنَّ الإنسان تارةً يقرأ القرآن الكريم وحده وبصورةٍ منفردةٍ، كما هو حال أغلب الناس، وأُخرى يقرأ القرآن الكريم بصورةٍ جماعيّةٍ، فيجتمع مجموعةٌ من المؤمنين ويقرؤون القرآن بصوتٍ واحدٍ وبطريقةٍ واحدةٍ، وهكذا الحال في قراءة الأدعية أو التسبيح أو التهليل، أو غيرها من الأذكار الواردة في الشريعة الإسلاميَّة.
والسؤال يُشير إلى أنَّ القراءة بالطريقة الجماعيّة هل هي مستحبَّةٌ؟ أي: هل دلَّ الدليل على استحباب القراءة جماعةً أم لا؟ وإذا لم يُوجد هكذا دليلٌ، فهل هذا العمل من البدعة المحرَّمة أو لا؟
إذا بان هذا، فنقول:
لا شك في أنَّ القراءة للقرآن الكريم أو سائر الأذكار بصورةٍ منفردةٍ جائزةٌ ولا ريب فيها، بل هي من المستحبَّات التي يُثاب عليها الإنسان فيما إذا كانت خالصةً لله تعالى، كما هو واضحٌ.
وأمَّا القراءة بصورة الجماعة، فهي على قسمين:
1ـ فتارةً يُقصد منها مجرَّد القراءة الخالصة، من دون الاعتقاد بكون قيد الاجتماع مأخوذاً شرعاً، وهذا لا إشكال فيه أصلاً؛ لأنَّه لا يُدخل في الدين ما ليس من الدين حتَّى يكون بدعةً محرَّمةً، وإنَّما هو مجرَّد قراءةٍ بصورةٍ جماعيّةٍ، فيكون حكمها كحكم القراءة المنفردة تماماً، وهو الجواز والاستحباب.
2ـ وأُخرى: تكون القراءة بوصف الاجتماع مستحبَّةً، أي أنَّ الذي يُحقِّق الاستحباب هو عنوان القراءة بقيد الاجتماع؛ فيكون لهذا الاجتماع الموضوعيَّة في نيل الثواب، وهنا لا بدَّ من وجود الدليل على ذلك وإلَّا كان بدعةً محرَّمةً.
والسؤال: هل هناك دليلٌ على أفضلية ذلك الاجتماع؟
قد يُقال: نعم، فإنَّ الظاهر من بعض الروايات الشريفة أفضلية القراءة بصورةٍ جماعيّةٍ، فإنْ تمَّت هذه الرواية من ناحية السند، لكانت كافيةً للحكم بالرجحان والاستحباب، وإنْ لم تتم الروايات سنداً، فيكون الإتيان بذلك بنيَّة رجاء المطلوبية، من دون الجزم بالاستحباب.
من تلك الروايات:
1ـ ما رواه الشيخ الكلينيّ بسنده إلى درست بن أبي منصور، عن أبي خالد، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «ما من رهطٍ أربعين رجلاً اجتمعوا فدعوا الله (عزَّ وجلَّ) في أمرٍ إلَّا استجاب الله لهم، فإنْ لم يكونوا أربعين فأربعةٌ يدعون الله (عزَّ وجلَّ) عشر مرَّاتٍ إلَّا استجاب الله لهم، فإنْ لم يكونوا أربعةً فواحدٌ يدعو الله أربعين مرَّةً فيستجيب الله العزيز الجبَّار له» [الكافي ج2 ص٤٨٧].
2ـ وما رواه ـ أيضاً ـ بسنده إلى يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «ما اجتمع أربعة رهطٍ قط على أمرٍ واحدٍ، فدعوا الله إلَّا تفرَّقوا عن إجابةٍ» [الكافي ج2 ص٤٨٧].
3ـ وما رواه ـ أيضاً ـ بسنده عن صالح بن عقبة، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «أيَّما ثلاثة مؤمنين اجتمعوا عند أخٍ لهم، يأمنون بوائقه ولا يخافون غوائله ويرجون ما عنده، إنْ دعوا الله أجابهم، وإنْ سألوا أعطاهم، وإنْ استزادوا زادهم، وإنْ سكتوا ابتدأهم» [الكافي ج2 ص ١٧٨].
كلمات العلماء:
هذا، وقد صرَّح جمعٌ من العلماء باستحباب الاجتماع في الدعاء، بناءً على هذه الأخبار المشار إليها، وغيرها.
1ـ قال العلَّامة ابن فهد الحلّيّ: (السادس: الاجتماع في الدعاء. قال الله (تبارك وتعالى): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾، وأمر الله تعالى بالاجتماع للمباهلة) [عدَّة الداعي ص١٤٤].
2ـ وقال الشيخ الحر العامليّ: (باب استحباب الاجتماع في الدعاء من أربعة إلى أربعين... إلى قوله: أقول: وفي قصَّة المباهلة دلالة على استحباب الاجتماع في الدعاء، وأنْ يختار لذلك الصلحاء الأتقياء) [وسائل الشيعة ج7 ص103].
3ـ وقال العلَّامة المجلسيّ: (الدعاء في المجامع أفضل، وبركات أنفاس المؤمنين واجتماعاتهم كثيرة، فيدخل نفسه في البركات والرحمة العامَّة النازلة عليهم، فإنَّ ذلك فوزٌ عظيمٌ) [عين الحياة ج2 ص١٠٥].
4ـ وقال السيد الجزائريّ: (ومنها: الاجتماع في الدعاء. قال أبو عبد الله (عليه السلام):« ما اجتمع أربعة رهطٍ قط على أمرٍ واحدٍ، فدعوا الله إلَّا تفرَّقوا عن إجابةٍ») [نور الأنوار ص١٥٤].
5ـ وقال العلَّامة القرشيّ: (من الأسباب المؤدِّية لاستجابة الدعاء: اجتماع المسلمين في دعائهم، وتضرُّعهم إلى الله تعالى، وقد أعلن ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «ما من رهطٍ أربعين رجلاً، اجتمعوا فدعوا الله (عزَّ وجلَّ) في أمرٍ إلَّا استجاب لهم، فإنْ لم يكونوا أربعين فأربعةٌ، يدعون الله (عزَّ وجلَّ) عشر مرَّاتٍ إلَّا استجاب لهم، فإنْ لم يكونوا أربعةً فواحدٌ يدعو الله أربعين مرَّةً، فيستجيب الله العزيز الجبَّار له». إنَّ اجتماع المسلمين له موضوعيَّةٌ في نجاح الدعاء واستجابته، وقد أكَّد الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك في كثيرٍ من أحاديثه» [الصحيفة الصادقيّة ص٢٦].
إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذا المجال، كما لا يخفى على المطالِع.
بقي شيء:
وهو أنَّ من الأمور الراجحة ـ أيضاً ـ أنْ يدعو شخصٌ، ويؤمِّن الباقون على دعائه، فإنَّ ذلك سببٌ في استجابة الدعاء والاشتراك في الأجر.
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسندٍ معتبرٍ عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الداعي والمؤمِّن في الأجر شريكان» [الكافي ج2 ص٤٨٧].
2ـ وروى ـ أيضاً ـ بسندٍ معتبرٍ عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعا موسى (عليه السلام) وأمَّن هارون (عليه السلام) وأمَّنت الملائكة (عليهم السلام)، فقال الله (تبارك وتعالى): قد أجيبت دعوتكما» [الكافي ج2 ص٥١٠].
3ـ وروى ـ أيضاً ـ بسنده إلى علي بن عقبة، عن رجلٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أبي (عليه السلام) إذا حزنه أمرٌ جمع النساء والصبيان ثمَّ دعا وأمَّنوا» [الكافي ج2 ص٤٨٧].
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك: أنَّ الدعاء بصورة الجماعة واردٌ في بعض الروايات، وقد أفتى طبقها بعض الأعلام، والاحتياط ـ لمن لا يرى اعتبار سند الروايات ـ هو العمل بها من باب الرجاء.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق