هل أوصى أمير المؤمنين (ع) لولده الحسن (ع)؟
السؤال: لم يُوصِ عليٌّ بالخلافة من بعده لأحد أبنائه، كما جاء نصُّه في كتاب مروج الذهب للمسعوديّ، وهو من خواصِّهم باعتراف علمائهم، ودخل عليه الناس يسألونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أرأيت إنْ فقدناك، ولا نفقدك، نبايع الحسن؟ قال: لا آمرك ولا أنهاك، وأنتم أبصر؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما حكاه علي بن الحسين المسعوديّ حيث قال: «ودخل عليه الناس يسألونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أرأيت إنْ فقدناك ـ ولا نفقدك ـ أنبايع الحسن؟ قال: لا آمرك ولا أنهاك، وأنتم أبصر. ثمَّ دعا الحسن والحسين، فقال لهما: أوصيكما بتقوى الله وحده، ولا تبغيا الدنيا وإنْ بغتكما، ولا تأسفا على شيءٍ منها، قولا الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، ولا تأخذكما في الله لومة لائم، ثمَّ نظر إلى ابن الحنفية فقال: هل سمعت ما أوصيتُ به أخويك؟ قال: نعم، قال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطعن أمراً دونهما، ثمَّ قال لهما: أوصيكما به، فإنَّه سيفكما وابن أبيكما، فأكرماه واعرِفا حقَّه. فقال له رجلٌ من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني أتركهم كما تركهم رسول الله» [مروج الذهب ج2 ص٤١٣].
إذا بان هذا، فلنعقد الكلام في عدَّة أمور:
الأمر الأوَّل: في عقيدة المسعوديّ:
اختلف العلماء في تحديد مذهبه، فقيل: إنَّه شافعيّ المذهب، وقيل: إنَّه من المعتزلة، وقيل: إنَّه من الشيعة بالمعنى العامّ، وقيل: إنَّه من الإماميَّة.
وأمَّا القول بتشيُّعه استناداً إلى ما ورد في كتاب «إثبات الوصيَّة»، فهو مردود؛ لأنَّ الكتاب مختلفٌ في نسبته، فقد ذهب بعض المحقِّقين إلى أنَّه من تأليف الشلمغانيّ وليس للمسعوديّ.
وعلى كلِّ حال، فلا يصح الجزم بكون المسعوديّ من الشيعة، كما تبيَّن. ومن خلال ذلك يتَّضح الوهن فيما جزم به السائل من كونه من خواصِّ الشيعة وعلمائهم، كما هو واضح.
الأمر الثاني: في انفراد المسعوديّ بنقل الخبر:
لقد انفرد المسعوديّ بنقل هذا الخبر الذي من شأنه الذيوع والاشتهار، والتفرُّد في مثل هذا علَّة قادحة، فإنَّ الخبر الذي يتناول أمر الوصيَّة والخلافة من شأنه الشيوع والاشتهار، بينما نجد المؤرِّخ المسعوديّ ينفرد بنقله! وهذا مؤشِّر واضح على وهنه وضعفه، كما هو واضح.
الأمر الثالث: في وصيَّة أمير المؤمنين (ع):
إنَّ ما ذكره المسعوديّ من أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يُوصِ إلى ولده الحسن (عليه السلام) لا يُمكن القبول به أو التعويل عليه، وذلك من جهتين:
الأولى: للإرسال في سند الحكاية، فإنَّه لم يذكر السند فيما بينه وبين مَنْ نقل عنه دخول القوم على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أنْ ضربه اللعين ابن ملجم.
الثانية: لمخالفته النصوص الكثيرة الواردة في تراث أهل البيت (عليهم السلام) من وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام)، نتبرَّك بذكر جملةٍ منها:
1ـ ما رواه الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى سُليم بن قيس قال: «شهدت وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) وأشهد على وصيَّته الحسين (عليه السلام) ومحمَّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمَّ دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن (عليه السلام): يا بني، أمرني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنْ أوصي إليك وأنْ أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ودفع إليَّ كتبه وسلاحه، وأمرني أنْ آمرك إذا حضرك الموت أنْ تدفعها إلى أخيك الحسين (عليه السلام)» [الكافي ج1 ص297].
2ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً بسنده إلى الأجلح، وسلمة بن كهيل، وداوود بن أبي يزيد، وزيد اليماميّ قالوا: حدَّثنا شهر بن حوشب: «أنَّ علياً (عليه السلام) حين سار إلى الكوفة استودع أم سلمة كتبَه والوصيَّة، فلمَّا رجع الحسن (عليه السلام) دفعتها إليه» [الكافي ج1 ص298].
3ـ وما رواه الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أوصى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) وحده، وأوصى عليٌّ إلى الحسن والحسين جميعاً» [علل الشرائع ج2 ص386].
4ـ وما رواه المحدِّث يوسف بن حاتم الشاميّ، عن الأصبغ بن نباتة قال: «دعا أمير المؤمنين (عليه السلام) الحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم (لعنه الله) فقال لهما: إنِّي مقبوض في ليلتي هذه ولاحقٌ برسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فاسمعا قولي وعياه. أنت يا حسن وصيِّي والقائم بالأمر بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصيَّة فأنصت ما نطق، وكن لأمره تابعاً ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالأمر» [الدر النظيم ص٣٧٧، الصراط المستقيم ج2 ص194].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
هذا، وقد ذكر المسعوديّ نفسه قول طائفة من الناس بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أوصى إلى ولديه (عليهما السلام)، ممَّا ينافي ما ورد في السؤال.
قال ما نصُّه: «وقد ذكرت طائفة من الناس أنَّ علياً (رضي الله عنه) أوصى إلى ابنيه الحسن والحسين؛ لأنَّهما شريكاه في آية التطهير، وهذا قول كثير ممَّن ذهب إلى القول بالنصّ» [مروج الذهب ج2 ص413].
الأمر الرابع: في وصيَّة النبي الأعظم (ص):
لا يخفى أنَّنا نعتقد بأنَّ النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) لم يترك أمَّته سدى، كما ورد في كلام المسعوديّ، وإنَّما نصَّ على إمامة وخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من بعده، وقد تكاثرت النصوص في ذلك، كما هو واضح.
منها على سبيل المثال: حديث الإنذار يوم الدار، وحديث المنزلة، وحديث الغدير المتواتر، وغيرها الكثير من الأحاديث الناصَّة على خلافة وإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) بلا فصل.
الأمر الخامس: التقيَّة من الأعداء:
لو تنازلنا عن جميع ما تقدَّم وقلنا بصحَّة ما نقله المسعوديّ، فيُحتمل أنَّه من باب التقيَّة من الأعداء، إذْ يُحتمل قويّاً أنَّ القوم الذين دخلوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا من العيون الذين يُتَّقى منهم، ولذلك لم يصرِّح (عليه السلام) باسم الإمام الحسن (عليه السلام) من بعده، خوفاً عليه أو لغير ذلك من الحِكم والمصالح.
والشاهد على ذلك: ما ورد في ذيل الخبر من قوله: «فقال له رجلٌ من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني أتركهم كما تركهم رسول الله» [مروج الذهب ج2 ص ٤١٣]. إذْ هو متوافقٌ مع ما عليه أهل العامَّة من أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذهب إلى ربِّه من دون أنْ يوصِ إلى أحد، كما هو واضح.
روى مُسلم بن الحجَّاج بسنده الصحيح عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر قال: «حضرتُ أبي حين أصيب فأثنوا عليه. وقالوا: جزاك الله خيراً. فقال راغبٌ وراهب: قالوا: استخلف؟ فقال: أتحمَّل أمركم حيّاً وميتاً! لوددتُ أنَّ حظِّي منها الكفاف، لا عليَّ ولا لي. فإنْ أستخلف فقد استخلف من هو خيرٌ منِّي، يعني أبا بكر. وإنْ أترككم فقد ترككم من هو خيرٌ منِّي رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم). قال عبد الله: فعرفتُ أنَّه حين ذكر رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) غير مستخلف» [صحيح مُسلم ج3 ص1454]. إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك: أنَّ ما ورد في كلمات المسعوديّ لا يُمكن الأخذ به أو الموافقة عليه، لكونه منافياً لما نعتقد من نصِّ النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) على أمير المؤمنين (عليه السلام) من بعده، وكذلك نصِّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على ولده الحسن من بعده، ومع التنزُّل فهو للتقيَّة وليس لبيان الواقع، كما تبيَّن مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق