هل يثبت العقل ضرورة تجسد الله في المسيح؟

السؤال: إثبات تجسّد الله بالمسيح ببرهان فلسفي قاطع! هذا تحرير الكلام في "الحجّة الذاتيّة" (The Subjectivity Argument) لإثبات ضرورة التجسّد الإلهيّ من طريق النظر العقليّ المحض (A Priori)، ونحن ننسّق هذا المبحث على بحث الفيلسوف جوشوا سيدجاوا وفي حجّةٍ مؤلّفةٍ من مقدّماتٍ شرطيّةٍ متلازمةٍ (Modus Ponens). الحجّة مع البيان: (١) كلّ كائنٍ يتّصف بالكلّيّة العلميّة (Omniscience) والكلّيّة الوجوديّة (Omnipresence)، لزم عقلاً أن يتّصف بالكلّيّة الذاتيّة (Omnisubjectivity). بيانه: وذلك من وجهين: أحدهما: من جهة العلم؛ فإنّ العلم الكامل لا يقتصر على إدراك الحقائق الموضوعيّة الخارجيّة (كالعلم بأنّ زيداً حزين)، بل لا بدّ أن يشمل الحقائق الذاتيّة من منظور صاحبها، أي: كيف يُدرِك زيدٌ حزنَه في نفسه. إذ لو خلا العلم من هذا الجانب، لكانت هناك حقيقة معلومة فاتت العالم، فينتقض كمال علمه. وهذا هو معنى "التعاطف الكامل" (Total Empathy)، أي إحاطة العالم بجميع الحالات الذاتيّة من حيث هي معاشة، مع بقاء التمايز بين ذات العالِم وذات المعلوم. والثاني: من جهة الوجود؛ فإنّ الإحاطة الوجوديّة بكلّ شيء تقتضي ألّا يخلو حيّز من حيّزات الوجود عن الحضور الإلهيّ، سواء أكان حيّزاً ماديّاً أم ذاتيّاً كحيّز الوعي والشعور. فلو كانت الكيفيّة التي يعيش بها الإنسان خبرته الباطنيّة مستورةً عن هذا الحضور، للزم أن يكون في الوجود جانبٌ غير مشمول بالإحاطة الإلهيّة، وهو نقصٌ ينافي الكلّيّة الوجوديّة. (٢) وكلّ كائنٍ يتّصف بالكلّيّة الذاتيّة، لزم عقلاً أن يكون متجسّداً (Incarnate). بيانه: أنّ هذه المقدّمة مبنيّة على "النظريّة الجسديّة للمشاعر" (Somatic Feeling Theory) التي صاغها الفيلسوف Jesse Prinz، وحاصلها أنّ حقيقة الانفعالات والمشاعر ليست سوى إدراك التغيّرات الجسديّة الملازمة لها، كخفقان القلب، وضيق التنفّس، وتوتّر العضلات. فإذا كان الكائن يدرك جميع المشاعر من منظور أصحابها الذاتيّ إدراكاً كاملاً، لزم أن تتحقّق فيه تلك الحالات الجسديّة التي بها تكون تلك الخبرات كما هي، إذ لا تتحقّق المعرفة الذاتيّة الكاملة للمشاعر إلا بتحقّق ما تقوم به من التغيّرات البدنيّة. وما لا يتمّ إلا بجسد، استلزم وجود الجسد، وهو المطلوب. (٣) والله متّصفٌ بالكلّيّة العلميّة والكلّيّة الوجوديّة وجوباً. (انظر الحجّة المتعالية لوجود الله) (٤) إذاً، الله متّصفٌ بالكلّيّة الذاتيّة. (٥) وإذاً، الله متجسّد.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

بعيداً عن صاحب الشبهة، فإنّ وصفها بأنّها «برهانٌ فلسفيٌّ قاطعٌ» مبالغةٌ كبيرةٌ؛ لأنّ صحّة صورة القياس لا تعني صحّة مقدّماته، والمشكلة هنا تحديداً في المقدّمات التي بُني عليها.

ويمكن كشف الخلل بطريقةٍ مباشرةٍ جدّاً.

المقدّمة الأولى تقول: إنّ الله إذا كان عالماً بكلّ شيء، فلا بدّ أن يعلم حزن الإنسان وألمه كما يعيشه الإنسان من داخله؛ أي إنّ علمه الكامل يشمل جميع الحالات الباطنيّة للإنسان، فلا يخفى عليه ما يشعر به ولا كيفيّة شعوره.

وهذا يمكن التسليم به، لكنّه لا يستلزم تجسّد الخالق في صورة المخلوق؛ لأنّ معرفة الحالة معرفةً كاملة شيء، واتّصاف العالِم بالحالة نفسها شيء آخر. فالله يعلم ألم المريض علماً لا نقص فيه، ولا يلزم من ذلك أن يصبح مريضاً، ويعلم خوف الإنسان من الموت من غير أن يكون خائفاً، ويعلم الجوع من غير أن يجوع، كما يعلم العمى من جميع جهاته من غير أن يصبح أعمى. فالقول بأنّ كمال العلم يقتضي أن يعيش العالِم الحالة نفسها خلط بين العلم بالشيء والاتّصاف به، ولا دليل عقليّ على هذه الملازمة.

ولو قلنا إنّ العلم بالشيء لا يكتمل إلا بأن يصبح العالم متّصفاً بالشيء نفسه، للزم أن يكون الله جاهلاً حتّى يعرف الجهل، وكاذباً حتّى يعرف تجربة الكذب، وآثماً حتّى يعرف الشعور بالمعصية! وهذا واضح البطلان.

ولو صحّ هذا الزعم، لما توقّف الأمر عند تجسّد الله في صورة الإنسان، بل للزم أن يتجسّد في صور جميع الموجودات حتّى يعرفها «من داخلها»؛ فيتجسّد في الحيوان ليعرف إحساسه، وفي النبات ليعرف حاله، بل وفي كلّ موجود له نحو خاصّ من الوجود. وحينئذٍ يتحوّل العلم الإلهيّ إلى سلسلة لا تنتهي من التجسّدات، مع أنّ المفروض من البداية أن علم الله كامل وغير مكتسب بالتجربة. وهذا يكشف أنّ أصل الملازمة بين العلم بالشيء والتجسّد فيه باطلة.

أمّا الاستدلال بـ«الكلّيّة الوجوديّة» أو حضور الله في كلّ مكان فهو أضعف؛ لأنّ الوعي والشعور ليسا «حيّزاً» مكانيّاً حتّى يقال: إذا كان الله موجوداً في جميع الأمكنة فلا بدّ أن يدخل داخل تجربة الإنسان الشعوريّة.

فكلمة «حيّز الوعي» هنا استعمال مجازيّ جرى التعامل معه وكأنّه مكان حقيقيّ. والله حاضر بعلمه وقدرته وإحاطته بكلّ موجود، ولا يعني ذلك أنّه يصبح عين ذلك الموجود. فحضور الله عند الشجرة لا يجعله شجرة، وحضوره عند الإنسان لا يجعله إنساناً.

ولكن الخلل الأكبر يقع في المقدّمة الثانية: «كلّ من يعرف التجربة الذاتيّة لجميع البشر معرفة كاملة يجب أن يكون متجسّداً».

فالجواب الذي تقدّمه الحجّة هو أنّ المشاعر مرتبطة بتغيّرات الجسم؛ فالخوف مثلاً يرتبط بخفقان القلب وتغيّر التنفّس، ولذلك لكي يعرف الله الخوف «كما يُعاش» لا بدّ أن يكون له جسم يحدث فيه خفقان القلب وتغيّر التنفّس.

وهنا وقع الخلط مرّة أخرى بين معرفة التجربة وإعادة إنتاج التجربة في ذات العارف.

حتّى لو سلّمنا بأنّ الخوف البشريّ لا يتحقّق للإنسان إلا بتغيّرات جسديّة، فهذا يثبت أنّ الإنسان لكي يشعر بالخوف يحتاج إلى جسم، ولا يثبت أنّ الله لكي يعرف خوف الإنسان يحتاج إلى جسم. والانتقال من الأولى إلى الثانية لا يوجد عليه أيّ برهان.

بل يمكن صياغة الإشكال بصورة حاسمة:

إذا كان الله لا يستطيع معرفة ألم الإنسان إلا بعد أن يتجسّد ويتألّم، فهل كان الله قبل التجسّد يعلم حقيقة الألم أم لا؟

إن قيل: نعم، كان يعلمها كاملة، سقطت الحجّة؛ لأنّه عرفها من دون جسد، فلا ضرورة للتجسّد.

وإن قيل: لا، لم يكن يعلمها حتّى تجسّد، فقد سقطت صفة العلم المطلق من الأساس؛ لأنّ الله أصبح يتعلّم بالتجربة ويزداد علماً بعد أن كان يجهل شيئاً.

وهذه المعضلة وحدها كافية لإسقاط الحجّة.

ثمّ إنّ الحجّة تُقدَّم بوصفها برهاناً عقليّاً محضاً، مع أنّها في الواقع تعتمد على نظريّة مخصوصة في علم وفلسفة المشاعر هي Somatic Feeling Theory، وهي ليست حقيقة عقليّة بديهيّة ولا أصلاً متّفقاً عليه، بل نظريّة قابلة للنقاش والرفض. وعليه، فالحجّة لا تنتج إلا إذا سُلّم أوّلاً بصحّة هذه النظريّة. فإذا كانت إحدى مقدّماتها الأساسيّة محلّ خلاف، فكيف يُقال بعد ذلك إنّ النتيجة «برهان عقليّ قاطع» على التجسّد؟ أقصى ما يمكن قوله: إنّها حجّة مشروطة بصحّة نظريّة خلافيّة، لا برهاناً ضروريّاً يلزم كلّ عاقل.

والمشكلة لا تتوقّف هنا. فلنفترض جدلاً أنّنا قبلنا كلّ ما سبق، وقلنا: لكي يعرف الله التجربة البشريّة لا بدّ أن يكون له جسم. ماذا أثبتنا؟

أقصى ما يمكن أن ينتج هو: الله يحتاج إلى نوع من التجسّد أو الارتباط بجسد.

ولكن أين الدليل على أنّ هذا الجسد هو جسد المسيح تحديداً؟ وأين الدليل على أنّ التجسّد وقع في فلسطين قبل ألفي عام؟ وأين الدليل على اتّحاد طبيعة إلهيّة بطبيعة بشريّة في شخص المسيح؟ وأين إثبات التثليث أصلاً؟

الحجّة لا تثبت شيئاً من ذلك. بل صاحب البحث نفسه يستعمل «التجسّد» في مراحل من حجّته بمعنى أوسع، أي أن يكون لله جسد أو يتّخذ جسداً. وهذا أوسع بكثير من العقيدة المسيحيّة التاريخيّة في تجسّد الابن في يسوع.

بل تنقلب الحجّة على التجسّد المسيحيّ نفسه. فإذا كان الله لا يستطيع معرفة تجارب البشر إلا بأن يعيشها جسديّاً، فإنّ جسد رجل عاش في فلسطين لا يكفي لمعرفة جميع الخبرات البشريّة. كيف يعرف بهذا الجسد تجربة المرأة في الحمل والولادة؟ وتجربة الطفل الرضيع؟ وتجربة الأعمى منذ ولادته؟ وتجربة إنسان يعيش حالات جسديّة لم يمرّ بها المسيح؟ بل إذا كانت «الكلّيّة الذاتيّة» تشمل كلّ كائنٍ واعٍٍ، فكيف يعرف تجربة الحيوان الذي يدرك العالم بطريقةٍ جسديّةٍ مختلفةٍ تماماً؟

بل هناك مأزقٌ آخر أشدّ إحراجاً للحجّة: صفات الله ـ بحسب أصحابها ـ أزليّةٌ وضروريّةٌ، فإذا كان العلم المطلق صفة أزليّة، والعلم المطلق يستلزم «الكلّيّة الذاتيّة»، والكلّيّة الذاتيّة تستلزم التجسّد، فالنتيجة المنطقيّة هي أنّ الله متجسّد بالضرورة ومن الأزل، لا أنّه تجسّد في لحظة تاريخيّة معيّنة.

أمّا الرؤية التوحيديّة فهي أبسط وأقوى: الله يعلم الإنسان وما في نفسه علماً كاملاً من دون أن يتحوّل إلى الإنسان؛ لأنّ علمه ليس كعلمنا. نحن نحتاج إلى العين لكي نرى، والأذن لكي نسمع، والجهاز العصبيّ لكي نشعر، لأنّنا مخلوقات محدودة. أمّا الله فلا يكتسب العلم بالحواس ولا بالأعضاء. فإذا قلنا إنّه لا يعرف الشيء إلا بعد أن يدخل جسماً ويجرّبه، فنحن لم نعظّم علمه، بل جعلنا معرفته نسخة مكبّرة من المعرفة البشريّة.

وفي المحصّلة، الحجّة لا تثبت التجسّد، وإنّما تقوم على خلطين أساسيّين:

الأول: الخلط بين العلم بالتجربة وامتلاك التجربة نفسها.

والثاني: الخلط بين كون المشاعر البشريّة مرتبطة بالجسد وضرورة أن يكون الله جسماً لكي يعلمها. فإذا كان الله يعلم المشاعر كاملةً قبل التجسّد، فلا حاجة إلى التجسّد لإكمال علمه؛ وإذا لم يكن يعلمها إلا بعد التجسّد، فهو لم يكن عالماً بكلّ شيء. وحتّى لو تجاوزنا هذا التناقض، فإنّ الحجّة لا تثبت تجسّد الله في المسيح تحديداً، بل تفضي ـ إذا طُبّقت بصرامة ـ إلى تجسّد ضروريّ وأزليّ وربّما إلى تعدّد الأجساد بحسب تعدّد التجارب.