الفرق بين السؤال العلمي والسؤال الفلسفي

السؤال: هل هناك فارقٌ بين السؤال العلميّ والسؤال الفلسفيّ وهل يمكن أن يجيب أحدهما عمَّا لا يجيب عليه الآخر؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

سبق أن وضّحنا في أكثر من إجابةٍ ومقالٍ نُشرا في موقعنا الفرق بين السؤال العلميّ والسؤال الفلسفيّ، وأنّ الخلط بينهما سبب كثيرٍ من الإشكالات، وسنوضّح هنا المسألة بصورة مباشرة وواضحة.

نعم، هناك فرقٌ حقيقيٌ بين السؤال العلميّ والسؤال الفلسفيّ، مع وجود مناطق يلتقيان فيها ويتكاملان، فليس كلُّ سؤالٍ يمكن إدخاله إلى المختبر، كما أنَّ الفلسفة لا تستطيع أن تحلّ محلّ التجربة العلميَّة في معرفة تفاصيل العالم الطبيعيّ.

(السؤال العلميّ) يتعلّق عادةً بالظواهر التي يمكن ملاحظتها وقياسها واختبارها. فهو يسأل مثلًا: كيف تتكوّن النجوم؟ كيف ينتقل المرض؟ ما سرعة الضوء؟ ما أثر هذا الدواء في الجسم؟ وهذه الأسئلة تحتاج إلى الملاحظة والتجربة والقياس وبناء النماذج واختبارها.

أمّا (السؤال الفلسفيّ) فيبحث في قضايا أعمق تتعلّق بأصل الأشياء ومعناها ومبادئ المعرفة نفسها، مثل: هل للكون علّة؟ هل قوانين الطبيعة تفسّر نفسها؟ ما معنى السببيّة؟ هل العقل قادرٌ على معرفة الحقيقة؟ هل الأخلاق حقائق موضوعيّةٌ أم مجرّد أذواق؟ وهل الإنسان يملك إرادةً حرّةً؟

هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بمجرّد وضع شيءٍ تحت المجهر أو إجراء تجربة؛ لأنّها ليست دائمًا أسئلةً عن مقدار أو حركة أو تفاعل ماديّ، بل عن معنى الوجود وأصول المعرفة ومبادئ الاستدلال.

ومن هنا يتّضح الخطأ في مطالبة العلم بالإجابة عن كل شيء. فالعلم قد يشرح لنا مثلًا كيف بدأ الكون في مرحلةٍ مبكّرةٍ جدًّا، وكيف تمدّد، وكيف تشكّلت المادّة، لكنّه لا يجيب بنفس أدواته عن السؤال: لماذا يوجد الكون أصلًا؟ ولماذا توجد هذه القوانين دون غيرها؟ وهل وجود الكون واجب بذاته أم محتاج إلى علّة؟ فهذه أسئلة فلسفيّة.

وبالعكس، لا يجوز للفلسفة أن تدّعي أنّها تستطيع تحديد عمر الكون أو تركيب الذرّة أو سبب مرض معيّن من دون الرجوع إلى العلم. فهذه مسائل تجريبيّة، والمرجع فيها هو الرصد والقياس.

إذن، لا يوجد صراع ضروريّ بين العلم والفلسفة، بل لكلٍّ منهما مجاله وأدواته. العلم يمدّنا بالمعطيات عن العالم، والفلسفة تحلّل دلالات هذه المعطيات وتسأل عن المبادئ التي تقوم عليها وعمَّا يمكن وما لا يمكن استنتاجه منها.

بل إنّ العلم نفسه يعتمد على مقدّماتٍ ذات طابع فلسفيّ؛ فهو يفترض مثلًا أنّ العالم منتظم، وأنّ العقل قادرٌ على فهمه، وأنّ النتائج المتكرّرة لها دلالة، وأنّ هناك علاقة بين السبب والنتيجة. وهذه المبادئ لا يثبتها المختبر بالطريقة نفسها التي يثبت بها وجود عنصر كيميائيّ أو سرعة جسم.

ومن الأمثلة الواضحة: إذا قال العلم إنّ الدماغ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوعي، فهذا تقرير علميّ. لكن السؤال: هل الوعي هو الدماغ نفسه، أم أنّ للإنسان نفسًا غير ماديّة؟ هذا سؤال فلسفيّ يحتاج إلى تحليل يتجاوز مجرّد تسجيل النشاط العصبيّ.

وكذلك إذا أخبرنا العلم أنّ حدثًا ما وقع بسبب سلسلة من الأسباب الطبيعيّة، فهذا لا يجيب وحده عن السؤال الفلسفيّ: هل سلسلة الأسباب الطبيعيّة مكتفية بذاتها أم تحتاج في أصل وجودها إلى علّة أولى؟

ولهذا فقول بعضهم: «لا أقبل إلّا ما يثبته العلم التجريبيّ» هو نفسه ليس نتيجةً لتجربةٍ علميّةٍ، بل موقفٌ فلسفيٌّ، فلا توجد تجربةٌ في مختبرٍ أثبتت أنّ «التجربة هي الطريق الوحيد إلى جميع الحقائق». وبذلك فإنّ من يحاول إلغاء الفلسفة باسم العلم يستخدم فلسفة من حيث لا يشعر.

ولا يعني ذلك أنّ كلّ ما يسمّى فلسفة صحيح، كما أنّ كلّ نظريّةٍ علميّةٍ ليست صحيحةً لمجرّد أنّها علميّة؛ وإنّما المقصود أنّ نوع السؤال هو الذي يحدّد الأداة المناسبة للإجابة عنه.

وفي المحصّلة، نعم، هناك فرقٌ بين السؤال العلميّ والسؤال الفلسفيّ، العلم يختصّ بما يمكن رصده وقياسه واختباره في العالم الطبيعيّ، بينما تبحث الفلسفة في قضايا الوجود والمعرفة والسببيّة والمعنى والقيم وما وراء حدود الاختبار المباشر، وقد يلتقيان في بعض القضايا، لكن أحدهما لا يغني عن الآخر.

والخطأ يبدأ حين نطلب من المختبر أن يجيب عن سؤال فلسفيّ، أو نطلب من الفلسفة أن تحلّ محلّ التجربة العلميَّة.