هل التراث يقرأ كما هو أم يفهم بمنهج؟

السؤال: في ظلِّ الهجوم المستمرِّ على التراث الإسلاميِّ والشيعيِّ بشكل خاصٍّ هل نقرأ التراث كما هو؟ أم يتطلب الخوض فيه منهجاً لفهمه؟ ماذا نحتاج لتحليل النصوص التراثية؟ وتقديمها للقارئ خاصةً إذا كانت تتعلق بالعقيدة والدين؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يبدو أنَّ هذا السؤال من أكثر الأسئلة إلحاحاً اليوم، خصوصاً مع تحوّل «نقد التراث» من بحثٍ معرفيٍّ جادٍّ إلى أداةٍ صداميَّةٍ تُستعمل أحياناً لهدم الثقة بالدين نفسه لا لمراجعته، والإجابة العلميَّة لا تكون بالدفاع الانفعاليِّ عن التراث، ولا بالتسليم بمطلق التشكيك فيه، بل ببناء منهج قراءةٍ واضحٍ يميّز بين المستويات المختلفة للتراث.

أول ما ينبغي تقريره: أنَّ التراث ليس كتلةً واحدةً، فهناك فرقٌ جوهريٌّ بين التراث بوصفه نصوصاً شرعيةً تأسيسيةً، وبين التراث بوصفه فهم الأمة واجتهادها التاريخيِّ.

القرآن الكريم والسنة القطعية في أصلها ليست «تراثاً» بالمعنى المتداول، بل هي وحيٌ وتأسيسٌ. أما التفاسير، والشروح، والكتب الكلاميَّة، والفقهيَّة، والحديثيَّة، فهي نتاج عقلٍ مسلمٍ تفاعل مع النص في سياقات تاريخيَّة وثقافيَّة محددةٍ.

الخلط بين هذين المستويين هو أصل كثيرٍ من التشويش المعاصر.

ولكي يكون المدخل منهجياً لابدَّ أولاً من التفريق بين «الثابت» و«المتحوّل».

فالثابت من الدين: هو منظومته المعرفيَّة والعقائديَّة وما ينعكس منها من منظومةٍ قيميَّةٍ ومبادئ كليَّةٍ وأصول تشريعيَّة مثل: التوحيد، العدل، الكرامة الإنسانيَّة، المسؤوليَّة الأخلاقيَّة، مقصد الهداية، وبناء الإنسان والمجتمع على أساس الحقِّ.. وكل ذلك لا يمكن تقيّده بزمان ولا مكان؛ لأنه يمثّل «روح الرسالة».

أمّا المتحوّل: فهو مستوى التطبيقات، والصيغ التنفيذيَّة، وأنماط التعبير الفقهيِّ أو الكلاميِّ التي تشكّلت استجابةً لأسئلة عصرها وظروفه، كثيرٌ من الصدامات مع التراث تنشأ من التعامل مع المتحوّل بوصفه ثابتاً مقدّساً، أو من مهاجمة الثابت بحجّة تعثّر بعض تطبيقاته التاريخية.

ويتعزّز هذا المنهج أكثر حين نلتفت إلى طبيعة النصوص الروائيَّة نفسها، فليس كلّ حديثٍ أو روايةٍ يحمل حكماً مطلقاً عابراً للزمان. في علم الأصول هناك تمييزٌ دقيقٌ بين «القضية الحقيقيَّة» التي تُنشئ حكماً عاماً ينطبق كلّما تحقّق موضوعه، وبين «القضية الخارجيَّة» التي تصف واقعةً محدّدةً، أو تعالج ظرفاً تاريخياً خاصاً، إهمال هذا التفريق يجعل القارئ المعاصر يتوهّم أنَّ الدين يفرض عليه نماذج تاريخيَّةً جاهزةً، بينما النص في حقيقته كان يعالج واقعاً مخصوصاً بلغة ذلك الواقع.

وبناءً على هذا المحدد يمكن الإجابة عن السؤال: هل نقرأ التراث كما هو أم نحتاج إلى منهج لفهمه؟ كالآتي:

لا يوجد نصٌّ يُقرأ بلا منهج، وكلُّ قراءةٍ بلا وعي منهجيٍّ هي في الحقيقة إسقاط لا فهماً، وقراءة التراث «كما هو» تعني شيئاً واحداً فقط: قراءته ضمن شروط إنتاجه، لا ضمن شروط الصراع المعاصر وحده، بمعنى آخر اجتهادات المسلمين لها سياقها التاريخيُّ، ولا يمكن اكتشاف قيمة تلك الرؤية الاجتهاديَّة إلَّا من خلال ظرفها التاريخيِّ، ومن هنا يمكن الإشارة إلى خطرين:

الأول: إعادة تفعيل التراث في الواقع من دون مراعاة فارق الظروف بين المرحلتين.

الثاني: مقاربة التراث من خلال سياقات معاصرةٍ فيتم استبعاده بالكلية، وعليه خلق رؤية منهجية وعلمية للتعامل مع التراث يتطلّب أدواتٍ واضحةً، لا مجرّد حسن النية.

فما نحتاجه لتحليل النصوص التراثيَّة، خصوصاً العقديَّة والدينيَّة – إلى مجموعة مستوياتٍ متكاملةٍ.

نحتاج أوّلاً إلى وعي سياقيٍّ يفهم ظروف النص: لماذا قيل؟ لمن وُجّه؟ ما المشكلة التي كان يعالجها؟

ثمّ نحتاج ثانياً إلى أداة لغويَّة دقيقةٍ تُدرك تحوّلات الدلالة، وتفرّق بين لغة التقرير، ولغة الجدل، ولغة الردِّ على الخصوم.

ونحتاج ثالثاً إلى ميزان معرفيٍّ عقديٍّ يُعيد كل فكرة إلى أصولها القرآنيَّة والعقليَّة، لا إلى تجلياتها السجاليَّة فقط.

وأخيراً، نحتاج إلى حسٍّ مقاصديٍّ قيميٍّ يمنع تحويل الدين إلى أرشيف أحكام، ويُبقيه مشروع هدايةٍ ومعنى.

تقديم التراث للقارئ المعاصر – لا سيما في مسائل العقيدة – لا يعني تلميعه ولا الاعتذار عنه، كما لا يعني تعريته بطريقة انتقائيَّةٍ. بل يعني إعادة بنائه معرفياً: فصل المقدّس عن البشريّ، والرساليّ عن التاريخيّ، والمبدأ عن الصيغة، حينها فقط يتحوّل التراث من عبء دفاعيٍّ إلى رصيد معرفيٍّ، ومن مادة صراع إلى أفق فهم.

وقد تناولنا في مقالاتٍ وأجوبةٍ سابقةٍ على موقعنا بعض العناوين ذات الصلة مثل عنوان: (ما الدليل على أنَّ القرآن الكريم والسنة يخاطبان الإنسان في العصور الحديثة؟)، وعنوان: (الخطاب الإسلامي بين هيمنة التراث وعقلانية النصوص)، وعنوان: (مَن المسؤولُ عن تنقيةِ التراثِ الإسلاميِّ المُثقّفُ أم الفقيهُ أم الفنّان؟)، وغيرها من العناوين التي ننصح بمراجعتها.

وفي المحصِّلة، التراث لا يُهدم ولا يُؤلَّه، بل يُفهم، والفهم نفسه عبادةٌ عقليَّةٌ، لا تقلّ شأناً عن أيِّ ممارسةٍ دينيَّةٍ أخرى؛ لأنَّه يحفظ الدين من الجمود، ويحميه في الوقت نفسه من الذوبان.