هل دفعت دية المحسن (ع) إلى أهله؟
السؤال: من المعروف عندنا معاشر الإماميّة أنّ المحسن السبط قد مات مقتولًا بجناية اللئام، ولكن هل دُفعت ديته إلى أهله، أو طالب بها أحدٌ من بني هاشم؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس أن يُعلم بأنّ شهادة المحسن بن عليّ (عليهما السلام) من المسلّمات التاريخيّة الواضحة؛ وذلك لكثرة الأدلّة والشواهد الدالّة عليها، وقد استوفى ذلك جمعٌ من الأعلام في مصنّفاتٍ خاصّةٍ أو أبوابٍ مفردةٍ؛ من ذلك: ما كتبه العلّامة الراحل السيّد محمّد مهدي الموسويُّ الخرسان (طاب ثراه) في كتابه القيّم (المحسن السبط، مولودٌ أم سقط)، فراجع إن شئت ذلك.
إذا بان هذا، فلنعقد الكلام بذكر أمورٍ:
الأمر الأوّل: دفع الدية من قِبَل القتلة:
لا يُعقل أن يقوم قتلة المحسن (عليه السلام) بدفع الدية لأهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ ذلك يُعدّ اعترافًا واضحًا وإدانةً صريحةً لهم بما ارتكبوه من قتل الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) وإسقاط جنينها المحسن (عليه السلام)، الأمر الذي يفتح باب الغضب عليهم على مصراعيه، إذ كيف يمكن لمن يدّعي الإسلام والخلافة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يُقدم على قتل ابنة نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) وإسقاط جنينها، ثمّ يعترف بذلك عمليًّا بدفع الدية لأهلها؟! ولذلك فلا يمكن القول بدفعهم الدية لأهل البيت (عليهم السلام)، كما هو واضح.
الأمر الثاني: المطالبة بالدية من قِبَل أهله:
من المحتمل أن يكون عدم مطالبة أهل البيت (عليهم السلام) بدية المحسن الشهيد (عليه السلام) لكونه قُتل عمدًا لا خطأً، ومن الواضح أنّ الحكم الأصليّ للجناية العمديّة هو القصاص لا الدية. وبما أنّ الاعتداء كان عمدًا من قِبَل القوم، فلازم ذلك هو القصاص ولو كان المقتول جنينًا، كما هو المشهور في هذه المسألة.
1ـ قال الشيخ محمّد حسن الجواهريُّ (طاب ثراه)، ونصّه: (ولو ضربها فألقته فمات عند سقوطه، فالضارب قاتلٌ على الظاهر، نحو من ضرب شخصًا بشيءٍ يقتل مثله فمات عقيب ذلك، فحينئذٍ يقتل إنْ كان عمدًا، لتحقّق موضوع القصاص فيه، وهو إزهاق الروح المحترمة، سواء كانت مستقرّةً أو لا، خلافًا لبعض العامّة حيث حكم بأنّه إذا لم يُتوقّع أن يعيش لا تكمل فيه الدية عن آخر، فأوجب فيه الغرّة، وهو كما ترى منافٍ لإطلاق الأدلّة التي مقتضاها القصاص، مع تيقّن حياته وإزهاقها بالجناية) [جواهر الكلام ج43 ص381].
2ـ وقال السيّد أبو القاسم الخوئيّ (طاب ثراه): (لو ضرب حاملًا فأسقطت حملها، فمات حين سقوطه، فالضارب قاتل، والمشهور أنّ عليه القَوَد إنْ كان متعمّدًا وقاصدًا لقتله) [تكملة منهاج الصالحين ص١٣٤].
3ـ وقال الميرزا جواد التبريزيُّ (طاب ثراه): (المشهور أنّه لا فرق في موارد القتل عمدًا بين كون المقتول طفلًا حتّى جنينًا ولجته الروح، وبين غيره في ثبوت القصاص لوليّ المقتول) [تنقيح مباني الأحكام (الديات) ص٣٣٤].
أمّا لو قَبِل أهل البيت (عليهم السلام) بأخذ الدية من القتلة، فهذا يعني أحد أمرين: إمّا نفي العمديّة في القتل وإثبات الخطأ، أو التراضي والعفو لإسقاط القصاص مقابل المال، وكلا الأمرين باطلٌ ومردودٌ؛ أمّا الأوّل: فلثبوت كون القتل عمدًا لا خطأً. وأمّا الثاني: فلأنّ أهل البيت (عليهم السلام) يأبون عن القصاص الإلهيّ مقابل عرضٍ دنيويٍّ زائلٍ؛ ولذلك فلا يمكن أن يُقال بأخذ الدية من القتلة، لكون الحكم الأوّليّ في ذلك هو القصاص، وحيث تعذّر القصاص آنذاك بسبب الخوف على الإسلام من الدخول في حربٍ أهليّةٍ، فالأولى هو تركه إلى الوقت المناسب، كما هو واضح.
الأمر الثالث: تأجيل ذلك إلى الوقت المناسب:
إنّ عدم المطالبة بالقصاص في دار الدنيا لم يكن تنازلًا عن الحقّ، ولا عفوًا عن القتلة، وإنّما هو نقلٌ للقصاص إلى ساحة العدل الإلهيّ، إذ بعد تعذّر إقامة العدل في دار الدنيا وعدم جدوى ذلك، فالخيار الأفضل ـ حينئذٍ ـ هو إرجاء القصاص إلى يوم القيامة أو إلى وقت الظهور المبارك، كما هو المستفاد من بعض الروايات الواردة في هذا المجال.
1ـ روى الشيخ ابن قولويه (طاب ثراه) بسنده إلى حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لمّا أُسري بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى السماء قيل له: إنّ الله (تبارك وتعالى) يختبرك في ثلاث، لينظر كيف صبرك ... إلى قوله: وأمّا ابنتك، فإنّي أوقفها عند عرشي فيقال لها: إنّ الله قد حكّمكِ في خلقه، فمن ظلمكِ وظلم ولدك فاحكمي فيه بما أحببت، فإنّي أجيز حكومتك فيهم، فتشهد العرصة، فإذا وقف مَن ظلمها أمرت به إلى النار ... إلى قوله: وأوّل مَن يُحكم فيهم محسن بن عليّ (عليه السلام) وفي قاتله، ثمّ في قنفذ، فيؤتيان هو وصاحبه، فيضربان بسياطٍ من نارٍ، لو وقع سوطٌ منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها، ولو وُضعت على جبال الدنيا لذابت حتّى تصير رمادًا، فيضربان بها» [كامل الزيارات ص ٥٤٧ـ551].
2ـ وروى العلّامة المجلسيّ (طاب ثراه) عن بعض مؤلّفات أصحابنا بالإسناد عن المفضّل بن عمر الجعفيّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه قوله: «ثمّ يأمر بإنزالهما فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثمّ يقصّ عليهم قصص فعالهما... إلى قوله: وضرب سلمان الفارسيّ، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) لإحراقهم بها، وضرب يد الصدّيقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس بطنها وإسقاطها محسّنًا، وسمّ الحسن (عليه السلام) وقتل الحسين (عليه السلام)، وذبح أطفاله وبني عمّه وأنصاره، وسبي ذراريّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإراقة دماء آل محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وكلّ دمٍ سُفك، وكلّ فرجٍ نُكح حرامًا، وكلّ رينٍ وخبثٍ وفاحشةٍ وإثمٍ وظلمٍ وجورٍ وغشمٍ، منذ عهد آدم (عليه السلام) إلى وقت قيام قائمنا (عليه السلام). كلّ ذلك يُعدّده (عليه السلام) عليهما ويلزمهما إيّاه فيعترفان به، ثمّ يأمر بهما فيُقتصّ منهما في ذلك الوقت» [بحار الأنوار ج53 ص1ـ13].
والنتيجة النهائيّة من كلّ ذلك: أنّ عدم المطالبة بالدية شرعًا؛ لكون الحكم في ذلك هو القصاص والقتل، وحيث تعذّر تطبيقه في دار الدنيا لبعض الأسباب، فالأنسب تأجيله إلى الوقت المناسب له، والله العالم.. والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق