هل قصة (ضامن آهو) صحيحة؟

السؤال: هل قصّة (ضامن آهو) التي يرويها الإيرانيّون وعالقة بذاكرتهم الشعبيّة صحيحة؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى ما يُحكى من أنّ الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) صادف صيّاداً قد أمسك بغزالةٍ، فاستنجدت به تلك الغزالة، وطلبت منه أن يستأذن الصيّاد في أن تذهب إلى صغارها لترضعهم ثمّ تعود إليه. فضمن الإمام (عليه السلام) عودتها لذلك الصيّاد، وجعل نفسه الشريفة رهينةً عند ذلك الصيّاد حتّى ترجع الغزالة، فوافق الصيّاد على ذلك، وبعد مدّةٍ من الزمان عادت الغزالة ومعها صغارها، فتعجّب الصيّاد من ذلك، وعرف مقام الإمام (عليه السلام)، فاعتذر إليه وأطلق الغزالة إكراماً له، ولذلك يُلقّب الإمام الرضا (عليه السلام) بـ(ضامن آهو)، أي ضامن الغزال.

إذا بان هذا، فنقول:

بعد البحث في مظانّه لم نعثر على القصّة المذكورة بهذا السياق، وإنّما ورد قريبٌ منها في حقّ النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، كما سنذكر إن شاء الله تعالى.

ولعلّ قصّة الإمام الرضا (عليه السلام) المذكورة آنفاً من قبيل المسموعات التي لم تُدوّن في الكتب، والله تعالى العالم.

روى القاضي عياض والقطب الراونديّ عن السيّدة أمّ سلمة (رضوان الله عليها) أنّها قالت: «كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في صحراء، فنادته ظبيّةٌ: يا رسول الله، قال: ما حاجتك؟ قالت: صادني هذا الأعرابيّ ولي خشفان في ذلك الجبل، فأطلقني حتّى أذهب فأرضعهما وأرجع. قال: أو تفعلين؟ قالت: نعم، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها، فانتبه الأعرابيّ وقال: يا رسول الله، ألك حاجة؟ قال: تطلق هذه الظبيّة، فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء وتقول: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله» [الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج1 ص314، الخرائج والجرائح ج1 ص37].

نعم، وردت في بعض أخبارنا الشريفة عدّة قصصٍ وحكاياتٍ للإمام الرضا (عليه السلام) مع الغزال، نذكر ما عثرنا عليه منها:

1ـ قال الشيخ الصدوق (طاب ثراه): «حدّثنا أبو الفضل محمّد بن أحمد بن إسماعيل السليطي (رضي الله عنه) قال: سمعت الحاكم الرازيّ - صاحب أبي جعفر العتبيّ - يقول: بعثني أبو جعفر العتبيّ رسولاً إلى أبي منصور بن عبد الرزاق، فلمّا كان يوم الخميس استأذنته في زيارة الرضا (عليه السلام) فقال: اسمع منّي ما أحدّثك به في أمر هذا المشهد. كنت في أيّام شبابي أتصعّب على أهل هذا المشهد وأتعرّض الزوّار في الطريق، وأسلب ثيابهم ونفقاتهم ومرقّعاتهم، فخرجت متصيّداً ذات يومٍ وأرسلت فهداً على غزالٍ، فما زال يتبعه حتّى التجأ إلى حائط المشهد، فوقف الغزال ووقف الفهد مقابله لا يدنو منه. فجهدنا كلّ الجهد بالفهد أن يدنو منه فلم ينبعث، وكان متى ما فارق الغزال موضعه يتبعه الفهد، فإذا التجأ إلى الحائط رجع عنه، فدخل الغزال حجراً في حائط المشهد. فدخلت الرباط فقلت لأبي النصر المقري: أين الغزال الذي دخل هيهنا الآن؟ فقال: لم أره، فدخلت المكان الذي دخله فرأيت بعر الغزال وأثر البول ولم أر الغزال وفقدته. فنذرت لله تعالى أن لا أوذي الزوّار بعد ذلك ولا أتعرّض لهم إلّا بسبيل الخير. وكنت متى ما دهمني أمرٌ فزعت إلى هذا المشهد فزرته وسألت الله تعالى فيه حاجتي فيقضيها لي، وقد سألت الله أن يرزقني ولداً ذكراً فرزقني ابناً حتّى إذا بلغ وقُتل، عدت إلى مكاني من المشهد ولقد سألت الله تعالى أن يرزقني ولداً ذكراً فرزقني ابناً آخر، ولم أسأل الله تعالى هناك حاجةً إلّا قضاها لي، فهذا ما ظهر لي من بركة هذا المشهد، على ساكنه السلام» [عيون أخبار الرضا ج2 ص318، بحار الأنوار ج49 ص٣٣٣].

2ـ وقال ابن حمزة الطوسيُّ وقطب الدين الراونديُّ (طاب ثراهما) - واللفظ للأوّل -: «عبد الله بن سوقة، قال: مرّ بنا الرضا (عليه السلام)، فاختصمنا في إمامته، فلمّا خرج خرجت أنا وتميم بن يعقوب السرّاج ـ من أهل الرقّة ـ ونحن مخالفون له، نرى رأي الزيديّة، فلمّا صرنا في الصحراء فإذا نحن بظباء، فأومأ أبو الحسن (عليه السلام) إلى خشفٍ منها، فإذا هو قد جاء حتّى وقف بين يديه، فأخذه أبو الحسن (عليه السلام)، فمسح رأسه ودفعه إلى غلامه، وجعل الخشف يضطرب لكي يرجع إلى مرعاه، فكلّمه الرضا (عليه السلام) بكلامٍ لم نفهمه، فسكن، ثمّ قال لي: يا عبد الله، أولم تؤمن؟ قلت: بلى، يا سيّدي، أنت حجّة الله على خلقه، وأنا تائبٌ إلى الله. ثمّ قال للظبي: اذهب، فجاء الظبي وعيناه تدمعان، فتمسّح بأبي الحسن (عليه السلام) ورغا، فقال أبو الحسن: أتدري ما يقول؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم. قال: يقول: دعوتني فرجوت أن تأكل من لحمي، فأجبتك، وحزنت حين أمرتني بالذهاب» [الثاقب في المناقب ص ١٧٦، الخرائج والجرائح ج ١ ص ٣٦٤، وغيرهما].

3ـ وقال العلّامة المجلسيّ (طاب ثراه): «في فردوس التواريخ نقلاً عن بعض التواريخ: أنّه كان للسلطان سنجر ـ أو أحد وزرائه ـ ولدٌ أُصيب بالدقّ فحكم الأطبّاء عليه بالتفرّج والاشتغال بالصيد، فكان من أمره أن خرج يوماً مع بعض غلمانه وحاشيته في طلب الصيد، فبينما هو كذلك فإذا هو بغزالٍ مارقٍ من بين يديه، فأرسل فرسه في طلبه، وجدّ في العدوّ فالتجأ الغزال إلى قبر الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، فوصل ابن الملك إلى ذلك المقام المنيع، والمأمن الرفيع الذي من دخله كان آمناً، وحاول صيد الغزال فلم تجسر خيله على الإقدام عليه، فتحيّروا من ذلك، فأمر ابن الملك غلمانه وحاشيته بالنزول من خيولهم، ونزل هو معهم ومشى حافياً مع كمال الأدب نحو المرقد الشريف، وألقى نفسه على المرقد وأخذ في الابتهال إلى حضرة ذي الجلال، ويسأل شفاء علّته من صاحب المرقد فعوفي، فأخذوا جميعاً في الفرح والسرور وبشّروا الملك بما لاقاه ولده من الصحّة ببركة صاحب المرقد، وقالوا له: إنّه مقيمٌ عليه ولا يتحوّل منه حتّى يصل البنّاؤون إليه فيبني عليه قبّةً، ويستحدث هناك بلداً ويشيّده ليبقى بعده تذكاراً، ولمّا بلغ السلطان ذلك، سجد لله شكراً ومن حينه وجّه نحوه المعماريّين، وبنوا على مشهده بقعةً وقبّةً وسوراً يدور على البلد» [بحار الأنوار ج48 ص ٣٢٨].

والنتيجة النهائيّة من كلّ ذلك: أنّنا لم نعثر على القصّة الواردة في نصّ السؤال بهذه الصورة، وإنّما وردت قصّةٌ قريبةٌ منها في حقّ النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، كما وردت بعض القصص والروايات التي تتعلّق بالغزال مع الإمام الرضا (عليه السلام)، أو بقبره الشريف كما بيّنّا. والحمد لله ربّ العالمين.