ما هو السبب في مدح بعض العرفاء للحلاج؟

السؤال: هناك بعض الشخصيات التاريخيَّة التي عاصرت الأئمّة (عليهم السلام) قد صدر اللعن بحقّها من الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه)، منهم الحلّاج، ولكنّنا نرى بعض العرفاء الشيعة في زماننا بيّضوا صفحته، بل ادّعوا له كراماتٍ ومقاماتٍ، ونحن لا نتصوّر عدم معرفة هؤلاء العرفاء بهذه الأحاديث، فكيف يخالفون الأئمّة (عليهم السلام) ويمدحون من لعنه المعصوم؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية، لا بأس بنبذةٍ مختصرةٍ عن الحلّاج، وبيان ما ورد في حقّه من الكلمات، ثمّ نعلّق ببعض التعليقات المناسبة للمقام إن شاء الله تعالى.

هو أبو مغيث، الحسين بن منصور بن محمّي الفارسيّ البيضاويّ الصوفيّ، والمشهور بلقب الحلّاج.

1ـ قال ابن النديم في حقّه: «كان رجلاً محتالاً مشعبذاً، يتعاطى مذاهب الصوفيَّة، ويتحلّى ألفاظهم، ويدّعي كلّ علم، وكان صفراً من ذلك. وكان يعرف شيئاً من صناعة الكيمياء، وكان جاهلاً مقداماً متدهوراً جسوراً على السلاطين، مرتكباً للعظائم، يروم إقلاب الدول، ويدّعي عند أصحابه الإلهيَّة، ويقول بالحلول، ويظهر مذاهب الشيعة للملوك، ومذاهب الصوفية للعامة، وفي تضاعيف ذلك يدّعي أنّ الإلهيَّة قد حلّت فيه، وأنّه هو هو، تعالى الله (جلّ وتقدّس) عمّا يقول هؤلاء علواً كبيراً» [الفهرست ص٢٤١].

2ـ كما عدّه الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه) في جملة السفراء المذمومين الذين ادّعوا البابية والسفارة لصاحب الزمان (عليه السلام) كذباً وافتراءً، ومن الملعونين على لسان السفير الثالث الحسين بن روح النوبختيّ (رضي الله عنه)، وأنّ الله تعالى فضحه على يد أبي سهل النوبختيّ [يُنظر: الغيبة ص401ـ405].

3ـ كما روى الشيخ الطبرسيُّ (طاب ثراه) عن الأصحاب: «أنّ أبا محمّد الحسن السريعيّ كان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمّد (عليهما السلام)، وهو أوّل من ادّعى مقاماً لم يجعله الله فيه من قبل صاحب الزمان (عليه السلام)، وكذب على الله وحججه (عليهم السلام)، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء، ثمّ ظهر منه القول بالكفر والإلحاد، وكذلك كان محمّد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمّد الحسن (عليه السلام)... إلى قوله: وكذا كان أبو طاهر محمّد بن علي بن بلال، والحسين بن منصور الحلّاج، ومحمّد بن علي الشلمغانيّ المعروف بابن أبي العزاقريّ (لعنهم الله)، فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم جميعاً، على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح» [الاحتجاج ج2ص٢٨٩].

إلى غير ذلك ممّا ورد في هذا المجال.

ولم يفتأ الحلّاج (لعنه الله تعالى) عن تلك الدعاوى الباطلة حتّى صدر الحكم بكفره من قبل علماء الإسلام، ومن ثمّ صدور الأمر بقتله من قبل الحاكم العبّاسي آنذاك، كما هو مذكورٌ في سيرة حياته.

إذا بان هذا، فلنا بعض التعليقات، نذكرها ضمن أمور:

الأمر الأوّل: أنّ أصحاب العرفان الشيعي قريبون جداً في مناهجهم العامّة من الفكر الصوفيّ ومصطلحاته؛ ولذا فمن الطبيعي أنّ نرى البعض منهم يبرّر للحلّاج أو غيره من أئمّة التصوّف، في حين نرى عامة الفقهاء والمتكلّمين يصرّحون بذمّهم ولعنهم؛ وذلك لابتعاد منهجهم عنهم. وعليه، يمكن القول بأنّ القرب بين المنهج العرفانيّ والصوفيّ له أثرٌ في ظهور التبرير للحلّاج أو الدفاع عنه، كما هو واضح.

الأمر الثاني: أنّ تبرير بعض الأعلام لبعض أئمّة التصوّف ـ كالحلّاج ـ يمكن أن يكون ناشئاً عن الخطأ أو الاشتباه، فإنّ العالم - مهما علا شأنه - يبقى في دائرة الخطأ والاشتباه؛ إذ إنّ العصمة من ذلك كلّه مختصّة بالأنبياء والحجج (عليهم السلام)، كما هو مقرّرٌ في كتب العقيدة والكلام. وعليه، يقع ذلك التبرير أو التأويل في خانة الخطأ أو الاشتباه الواردين في حقّ غير المعصوم، كما لا يخفى.

الأمر الثالث: أنّ تبرير بعض الأعلام للحلّاج أو غيره قد يكون ناشئاً عن قناعةٍ تامّةٍ بصدقه وأحقّية نهجه؛ ولهذا دافعوا عنه، وذلك بعد أن أوّلوا كلماته الظاهرة بالكفر والزندقة، وحملوها على بعض المعاني الموافقة لظاهر الشريعة، وبالتالي قد يكونون معذورين في ذلك وغير مؤاخذين، حتّى لو كان التقييم التاريخيّ أو الفقهيّ لواقع الحلّاج مخالفاً لتلك القناعة، كما هو واضح.

والنتيجة النهائية من كلّ ذلك: أنّ المعروف عند الفقهاء والمتكلّمين الشيعة هو ذمّ الحسين بن منصور الحلّاج ولعنه من قبل صاحب الزمان (عليه السلام)، وأنّ تبرير البعض قد يرجع إلى ما أشرنا إليه من الأسباب، والله تعالى هو العالم بالنوايا وحقائق الأشياء.. والحمد لله ربّ العالمين.