هل خروجنا من الجنة يبرر عقيدة الفداء؟

السؤال: إذا كنَّا نؤمن أنَّه لولا خطيئة أبينا آدم ما خرجنا من الجنَّة، فلماذا لا نؤمن أنَّ الله صلب المسيح فداءً للخطيئة، أو على الأقل نعذر المسيحيين بالإيمان بذلك؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

سبق أن عالجنا قضية خروج آدم من الجنَّة في عدَّة إجاباتٍ منشورٍة في موقعنا، وناقشنا فيها كثيراً من الشبهات المثارة حولها، وفي هذه الإجابة - حتَّى لو سلَّمنا جدلاً بوقوع الخطيئة من آدم -فإنَّ التصوُّر الإسلاميّ لا يقوم أصلاً على وراثة البشر لخطيئته، ولا على تحميل ذرِّيَّته ذنباً لم يرتكبوه.

ففي الإسلام لا يولد الإنسان حاملاً لذنب آدم، ولا يحتاج إلى مَن يتحمَّل عنه خطيئة لم يرتكبها. والقرآن يقرِّر قاعدة لا تحتمل الالتباس: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: 18]، كما يقرِّر أنَّ آدم نفسه تاب الله عليه: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]. فإذا كان الله قد غفر لآدم، فمن أين جاءت فكرة أنَّ ذنبه بقي معلَّقاً في أعناق ذرِّيَّته آلاف السنين حتّى يحتاج إلى مَن يدفع ثمنه؟

ثمَّ إنَّ نزول الإنسان إلى الأرض لم يكن حادثاً طارئاً فاجأ المشروع الإلهي بسبب خطيئة آدم؛ فالقرآن أعلن قبل قصَّة الشجرة أصلاً: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. وهذا يعني أنَّ الأرض كانت منذ البداية ميدان حياة الإنسان وتكليفه ومسؤوليَّته، لا عقوبة جماعيَّة ورثتها ذرِّيَّته بسبب فعل آدم.

وحتَّى لو قلنا إنَّ أكل آدم من الشجرة كان سبباً مباشراً في انتقاله من الجنَّة إلى الأرض، فهذا لا يعني أنَّ ذنبه انتقل إلى ذرِّيَّته. فالفرق كبيرٌ بين انتقال أثر الفعل وبين انتقال المسؤوليَّة الأخلاقيَّة عن الفعل.

فلو بدَّد أب أمواله، فقد يولد أبناؤه فقراء؛ لكنَّهم لا يصبحون مذنبين بجريمة التبذير، ولو أحرق إنسان منزله، فقد يعيش أبناؤه بعده بلا مأوى؛ لكنَّهم لا يحملون ذنب إحراقه، ولو بدأ حاكم حرباً مدمِّرة، فقد تتحمَّل أجيال لاحقة آثارها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، لكنَّ أحداً لا يقول إنَّ أطفال تلك الأجيال مذنبون لأنَّ الحاكم أخطأ.

فالنتائج قد تمتدُّ، أمَّا الذنب فلا ينتقل.

وهذا هو موضع الخلط في السؤال.

أمَّا عقيدة الفداء فتقوم على شيء مختلف تماماً؛ فهي تفترض أنَّ الخطيئة أحدثت مشكلة في علاقة الإنسان بالله، وأنَّ خلاص البشر ارتبط بتضحية المسيح وصلبه. وهنا يأتي السؤال الحقيقي: لماذا يتحمَّل شخص ذنب شخص آخر أصلاً؟ وإذا كان الله قادراً على أن يغفر للمذنب إذا تاب، فلماذا يحتاج العدل إلى معاقبة غير المذنب لكي يغفر للمذنب؟

وفي التصوُّر القرآنيّ المسألة أبسط وأكثر اتِّساقاً: من أخطأ تاب، ومن تاب غفر الله له: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء: 110]. فلا تنتقل الخطيئة من آدم إلى ذرّيّته، ولا تنتقل العقوبة من المذنب إلى بريء، ولا يحتاج الله لكي يغفر إلى أن يعاقب إنساناً آخر مكان صاحبه.

ولهذا فإنَّ قول السائل: «إذا قبلتم بأنَّنا خرجنا من الجنَّة بسبب آدم فلماذا لا تقبلون الفداء؟» يجمع بين أمرين لا علاقة بينهما، فوجود أثرٍ تاريخيٍّ أو تكوينيٍّ لفعل شخص شيء، وتحميل الآخرين ذنبه الأخلاقي ثمَّ إقامة العقوبة على شخصٍ ثالثٍ شيء آخر تماماً.

بل لو صحَّ هذا القياس لوجب أنْ نقول: ما دام الأبناء قد يتضرَّرون من أخطاء أبيهم الماليَّة، فيجوز أيضاً أنْ تسجن المحكمة ابناً بريئاً بدلاً من أبيه! وهذا لا يقبله أحد؛ لأنَّنا جميعاً ندرك بالفطرة الفرق بين تحمُّل نتائج واقعيَّة وبين تحمُّل ذنب شخص آخر.

وأمَّا قول السائل: «أو على الأقل نعذر المسيحيّين»، فإنْ كان المقصود أن نفهم عقيدتهم في سياقها ونحترم حقَّهم في الاعتقاد بها، فهذا أمر لا إشكال فيه، أمَّا إذا كان المقصود أن يصبح اعتقادهم صحيحاً لأنَّ له تفسيراً داخل منظومتهم، فهذا شيء آخر؛ ففهمنا لسبب اعتقاد شخص بفكرة لا يجعل الفكرة صحيحة.

وفي المحصِّلة، المقارنة بين قصَّة آدم وعقيدة الفداء تقوم على خلطٍ بين شيئين مختلفين تماماً: الإسلام يقرُّ بأنَّ الأفعال قد تترك آثاراً تتجاوز أصحابها، لكنَّه ينفي أن ينتقل الذنب نفسه إلى الأبرياء. وآدم تاب الله عليه، والأرض كانت مقرَّرة للإنسان قبل قصَّة الشجرة، وكلُّ إنسان في النهاية مسؤول عن عمله هو، ومن ثَمَّ فلا توجد في قصَّة آدم مقدِّمة تقود إلى عقيدة الفداء من الأصل.