هل الأئمَّة من بني إسرائيل؟
السؤال: يُشنِّع المخالفون علينا بأنَّ العياشيّ يروي عن هارون بن محمَّد الحلبيّ، وعن محمَّد بن علي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ قوله تعالى (يا بني إسرائيل) هم آل محمَّدٍ خاصَّة، فهل هاتان الروايتان صحيحتان من حيث السند، وما المقصود منهما؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
روى شيخنا العياشيّ (طاب ثراه) عن هارون بن محمَّد الحلبيّ قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:47] قال (عليه السلام): هم نحن خاصَّة.
وروى أيضاً عن محمَّد بن علي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قوله : ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: هي خاصَّة بآلِ محمَّد (عليهم السلام)» [تفسير العياشيّ ج1 ص44].
وللجواب عن هذا السؤال نتكلَّم في أمرين:
الأمر الأوَّل: في سند الروايتين.
لا يخفى أنَّ كلا الروايتين ضعيفٌ من حيث الإسناد؛ وذلك لما فيهما من إرسالٍ وجهالةٍ في الراوي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعليه، فهما غير مُعتبرتين من جهة السند، كما هو واضح.
الأمر الثاني: في معنى الروايتين.
لو أغمضنا النظر عن جهة السند لهاتين الروايتين وقلنَّا باعتبارهما، فيُمكن أنْ يوجَّها بوجهٍ مقبولٍ وصحيح، وذلك بعد علمنا بأنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) لم يرد من قوله هذا جهة النسب جزماً، باعتبار أنهم (عليهم السلام) من نسل إسماعيل، وليسوا من نسل إسحاق (عليهما السلام)، كما هو واضح.
من ذلك: ما رُوي من أنَّ اسم (إسرائيل) هو أحد أسماء النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، كما ورد في [تفسير العياشيّ ج1 ص44]، باعتبار أنَّ معنى (إسرائيل) هو (عبد الله)، والنبيّ الأكرم سيِّد عباد الله تعالى. وبناءً على هذا الفهم، فإنَّ قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي يا بَني محمَّد ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وهذا يُعدُّ من قبيل التأويل للآية الكريمة.
وبعبارة أُخرى: إنَّ قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ مؤولٌ بأهل البيت (عليهم السلام)، فهم المعنيُّون بـ(بني إسرائيل)، وهم المفضَّلون على العالمين.
قال العلَّامة المجلسيُّ (طاب ثراه): (لعلَّ المعنى أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ في الباطن آل محمَّد (عليهم السلام)، لأنَّ إسرائيل معناه عبد الله) [بحار الأنوار ج24 ص397].
إنَّ فكرة التأويل من المفاهيم الأصيلة في الفكر الإسلاميّ، إذْ يستند وجودها إلى بعض الآيات الكريمة والسنَّة الشريفة، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران:7]، المفسَّرة في العديد من الروايات بأنَّ (الراسخين في العلم) هم أهل البيت (عليهم السلام)، الذين أُوتوا العلم والفهم العميق في معاني القرآن وأسراره [يُنظر: الكافي ج1 ص213]. ومن هنا يتبين أنَّ التأويل ليس مفهوماً دخيلاً، بل هو ركيزةٌ أساسٌ في فهم النصوص الدينيَّة على المستوى الباطني.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الروايتين المذكورتين ضعيفتان من حيث السند، ولو أعرضنا عن ذلك، فالمراد بهما التأويل بأهل البيت (عليهم السلام) وليس التفسير، كما أشرنا إليه في مطاوي الجواب ..
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق