إثبات الصانع بالروايات
السؤال: هل يصحُّ الاستدلال على إثبات الصانع بالروايات الشريفة أم أنه يستلزم الدور كما قيل؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ المعروف في الأروقة العلميَّة أنَّ الاستدلال على إثبات الصانع يجب أنْ يكون عقليَّاً وليس نقليَّاً؛ لأنَّ النقل يستلزم الدور، وهو باطلٌ.
بيان ذلك أنَّ حجيَّة كلام المعصوم (عليه السلام) متوقفةٌ على وجود الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وحجيَّة أقواله، وهو متوقفٌ على وجود الله تعالى، فكيف يُمكن للمتوقِّف على وجود الله تعالى أنْ يُثبت وجود الله تعالى؟ إنَّ هذا دورٌ واضحٌ وصريحٌ، ومن هنا صرَّح الأعلام بلابديَّة أنْ يكون الدليل على وجود الله تعالى عقليَّاً وليس نقليَّاً، كما أسلفنا.
إذا بان هذا فنقول: إنَّ الأحاديث الشريفة الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) ليستْ على نسقٍ واحدٍ وإنَّما هي مختلفة، فالبعض منها ترد بلسان (التعبُّد)، كما في أحاديث العبادات، كالصلاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك، وبعض آخر منها وارد بلسان (التعقُّل)، كما في جملةٍ من الأخبار التي تَرجَع في حقيقتها إلى بيان الدليل العقليّ المشترك عند سائر أصحاب العقول.
وعلى هذا الأساس، فالأحاديث التي تتضمَّن الأدلَّة العقلية يصحُّ الاستدلال بها من ناحية الدليل المودع فيها، وليس من ناحية التعبُّد، ولذلك فالإشكال المذكور ـ الدور ـ إنما يجري في الأحاديث التعبديَّة فقط، دون ما كان عقليَّاً.
مثال ذلك:
من أمثلة ذلك: ما رواه شيخنا الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن هشام بن الحكم، قال: «قال لي أبو شاكر الديصانيّ: إنَّ لي مسألة تستأذن لي على صاحبك، فإني قد سألتُ عنها جماعةً من العلماء فما أجابوني بجوابٍ مشبعٍ، فقلتُ: هل لك أنْ تخبرني بها فلعلَّ عندي جواباً ترتضيه، فقال: إنّي أحبُّ أنْ ألقى بها أبا عبد الله (عليه السلام)، فاستأذنتُ له فدخل فقال له: أتأذن لي في السؤال؟ فقال له: سلْ عمَّا بدا لك، فقال له: ما الدليل على أنَّ لك صانعاً؟ فقال: وجدتُ نفسي لا تخلو من إحدى جهتين: إمَّا أنْ أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري، فإنْ كنتُ صنعتها أنا، فلا أخلو من أحد معنيين: إمَّا أنْ أكون صنعتُها وكانت موجودة، أو صنعتُها وكانت معدومة، فإنْ كنتُ صنعتُها وكانت موجودةً فقد استغنتْ بوجودها عن صنعتها، وإنْ كانت معدومة، فإنك تعلم أنَّ المعدوم لا يُحدِث شيئاً، فقد ثبت المعنى الثالث أنَّ لي صانعاً، وهو الله ربُّ العالمين، فقام وما أحار جواباً» [التوحيد ص290].
توضيح ذلك:
لقد حصر (عليه السلام) الصنع والخلق في فرضين، فأمَّا أنْ أكون أنا من أوجدتُ نفسي أو هناك من أوجدها غيري، فإذا فرضنا أنّي أوجدتُ نفسي، فهذا لا يخلو من أمرين، فأمَّا أنْ أكون قد أوجدتها وهي موجودةٌ بالفعل، أو أوجدتها وهي معدومةٌ بالفعل، وكِلا الأمرين باطل، أمَّا الأوَّل فلفرض أنها موجودةٌ بالفعل فلا معنى لإيجادها مرَّة أُخرى، إذْ هو من قبيل تحصيل الحاصل. وأمَّا الآخر فلفرض أنها معدومةٌ بالفعل، فكيف يُمكن للمعدوم أنْ يُوجِد شيئاً؟! وإذا بطل هذا الفرض بكلا شقَّيه، يتعيَّن الفرض الآخر لا محالة، أعني: وجود من أوجدها وخلقها، وهو الله تعالى.
ومثله أيضاً: ما روي عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سُئل عن إثبات الصانع، فقال (عليه السلام): «البعرة تدلُّ على البعير، والروثة تدلُّ على الحمير، وآثار القدم تدلُّ على المسير، فهيكلٌ علويٌّ بهذه اللطافة، ومركز سفليٌّ بهذهِ الكثافة، كيف لا يدلَّان على اللطيف الخبير؟» [جامع الأخبار ص35].
والمتحصَّل من كلِّ ذلك، أنَّ الأخبار الواردة بلسان الدليل العقليّ يصحُّ الاستدلال بها من دون أي محذور، إذِ الغرض المقصود منها هو ذاك الدليل المودع فيها وليس غيره، بل هي أولى من غيرها من الأدلَّة المساقة للغرض المقصود، لفرض كونها من إنشاء سادات العقلاء في العالم بأسره..
والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق