المقصود بـ«قرن الشيطان» جهةٌ جغرافيَّةٌ أم بيت عائشة؟
السؤال: يفسر الشيعة حديث «قرن الشيطان» بأنَّه يشير إلى بيت عائشة، بينما يرى بعض أهل السُنَّة أنَّ إشارة النبيّ (صلى الله عليه وآله) كانت تتعلق بالجهة الجغرافيَّة، سواءٌ كانت شرقاً أو غرباً أو غير ذلك، ولم يكن يقصد بيت عائشة بشكلٍ محدّد. فما هو ردُّكم على هذا الرأي؟
الجواب:
أولاً: الاتجاه الجغرافيُّ وحده لا يُعدّ تفسيراً كافيَّاً للحديث، إلَّا إذا دعمته قرائن سياقيَّةٌ أو رواياتٌ مفسِّرة تحدّد المراد منه بدقة، فالاكتفاء بقول إنّ النبيّ أشار إلى بلاد فارس أو نجدٍ أو ربيعة ومضر، يجعل المعنى غير منضبط، ويضعّف دلالة الحديث كتحذيرٍ نبويٍّ من فتنةٍ بعينها؛ بل إنَّ اقتصار التفسير على البعد الجغرافيّ دون ربطه بسياق الرواية ووقائع السيرة، يُصعّب معه تطبيق الحديث على أحداثٍ معيّنةٍ بعينها، ويجعله قابلاً لتأويلاتٍ متعدّدةٍ ومفتوحةٍ لا ضابط لها، فيصبح الحديث حينها بلا محصّلٍ ويتساوى وجوده وعدمه.
ثانياً: تعدّ الروايات التي تتضمن إشارة النبيّ فيها إلى جهة المشرق– وهي التي يتمسّك بها من يفسِّر الحديث بالإشارة إلى الجهة الجغرافيَّة – من قبيل الروايات العامة أو المطلقة، التي تحتاج إلى مقيِّد أو مخصص. وحديث البخاريّ الذي عيّن فيه جهة الإشارة عند مسكن عائشة يكون هو المخصّص والمقيِّد لتلك الروايات، بحسب القاعدة الأصوليَّة المعروفة في الجمع بين النصوص.
فقد روى البخاريّ عن نافع عن عبد الله، قال: «قام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً، فأشار نحو مسكن عائشة، فقال: هاهنا الفتنة – ثلاثاً –، من حيث يطلع قرن الشيطان» [صحيح البخاريّ ج3 ص508]. فهذا الحديث نصٌّ صريحٌ وواضحٌ في تحديد الجهة التي عناها النبيُّ بالفتنة، ويُظهر أنّ الإشارة لم تكن مجرّد تحديدٍ جغرافيّ، بل كانت تحذيراً نبويَّاً من موطن الفتنة بعينه.
وعلى هذا، فإن جميع الروايات التي تشير إلى جهة المشرق يجب أنْ تُفهَم على ضوء هذا الحديث المقيَّد، لا أنّ يُحمَل هذا النص المبيّن على معنىً عامٍّ وغامض؛ إذ الأصل في بيان النبيّ أنْ يكون هادفاً ومحدداً، لا وصفاً جغرافيَّاً محضاً.
ثالثاً: من الناحية التاريخيَّة، فإن الوقائع الثابتة تشير إلى أن عائشة أحدثت فعلاً خطيراً في تاريخ الأمة، تمثل بخروجها على الخليفة الشرعيّ - سواء كان منصوصاً عليه أو منتخباً بالبيعة العامة -، وقد ترتَّب على هذا الخروج اندلاع واحدةٍ من أعظم الحروب الداخليَّة الكبرى في الإسلام، وهي (معركة الجمل)، وبهذا تكون ـ من حيث الأثر ـ من أبرز الأسباب التي مهَّدت لانقسام المسلمين وتشرذمهم، والذي لا تزال الأمة تعاني تبعاته إلى اليوم.
ومن هنا، فإن فعلها هذا يعدّ مخالفةً صريحةً لأمر الله ورسوله، حيث جاء النص القرآنيُّ واضحاً في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]، ما يجعلها مسؤولةً من الناحية الشرعيَّة، بل والأخلاقيَّة والسياسيَّة، عن الدماء التي سُفكت، والأموال التي أُهدرت، والعائلات التي شُردت، فضلاً عن الأيتام والأرامل والمعاقين، ومن عانوا من تبعات الحرب جسديَّاً ونفسيَّاً، بل إنَّ الأثر الأخطر يتمثل في الانقسام الثقافيّ والفكريّ الذي أفرز لاحقاً مذاهب متنازعة، وولّد عداءً داخليَّاً مستديماً داخل الأمة، وهو ما يعمّق من مسؤولية ذلك الفعل التاريخيّ ويمنحه بعداً أخطر من مجرد تمرّدٍ عابر أو اجتهادٍ شخصيّ.
اترك تعليق