قلة أحاديث السيدة الزهراء (ع)
السؤال: رغم أنَّ فاطمة ابنة النبيِّ وكانت من أقرب الناس إليه، إلَّا أنَّه لا توجد لها أحاديث في كتب الحديث، بينما نجد أنَّ أحاديث عائشة أكثر بكثيرٍ من غيرها، لذلك، لم يقل النبيُّ "خذوا نصف دينكم عن فاطمة" كما قال عن عائشة، مما يشير إلى أنَّ عائشة كانت أكثر علماً من فاطمة.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم –أيدك الله– أن كثرة الرواية لا تُعتبر دليلاً على العلم، وليس لها مدخلّ في تحديد الأعلميّة، وإلّا لكان أبو هريرة أعلم من الخلفاء ومن جميع الصحابة، وهذا ما لم يلتزم به العامة أنفسهم فمن المعروف أنَّ أبا بكر لم يكن كثير الرواية، حيث تشير مصادر العامّة إلى أنَّ الأحاديث المنسوبة إليه تبلغ حوالي (142) حديثًا، وفي المقابل يُروى عن أبي هريرة وحده نحو (5374) بحسب عددها في «مسند بقي بن مخلد» - وهو أضخم موسوعةٍ حديثيَّةٍ مؤلفة -.
وأمّا عائشة فقد روَت عددًا كبيرًا من الأحاديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وهو ما لم يتحقق لغيرها من زوجاته، وهذا يثير بعض التساؤلات حول صحة ما روته من أحاديث، خاصةً في ظل كونها الأكثر روايةً بين نسائه، فهي تتفوق عليهنّ في الرواية، وحتى على الخلفاء الذين كان المسلمون يعتمدون عليهم في أمور دينهم.
وكيف بلغ مجموع أحاديث أزواج الرسول الثمان (612) حديثا، وبلغ أحاديثها وحدها (2210) حديثا؟ وقد دخلت بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) في السنة الثانية من الهجرة ولم تتجاوز العام العاشر من عمرها وهي طفلةٌ صغيرةٌ تلعب باللّعب، وتوفيت في السنة الثامنة أو التاسعة والخمسين من الهجرة.
ودخلته أم سلمة أيضا في السنة الثانية وهي امرأةٌ كبيرةٌ، ثم عاشت بعد عائشة ثلاث سنين حيث توفيت في السنة الثانية والستين أو الثالثة والستين من الهجرة. والفرق بين أحاديثهما كبير، وكانت لا تسأل عن أمرٍ إلَّا وعندها علٌم منه؟ [ينظر: أحاديث عائشة للعسكري ج2 ص35].
وأما الحديث «خذوا نصف دينكم عن الحميراء» فيعـدُّ من الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة التي لا يوجد لها إسنادٌ موثوق، كما أشار إلى ذلك نقاد الحديث، كالذهبيّ حيث قال: (إنَّه من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد) [تحفة الطالب ص170].
والحافظ ابن حجر إذ قال: (لا أعرف له إسناداً، ولا رأيته في شيءٍ من كتب الحديث إلَّا في النهاية لابن الأثير ذكره في مادة ح م ر ولم يذكر من خرَّجَه، ورأيتهُ في الفردوس بغير لفظه وذكره عن أنس بغير إسناد بلفظ خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء) [كشف الخفاء ج1 ص450] .
وللمزيد من التفصيل يمكنكم مراجعة هذا الجواب بعنوان: (الموقف من كثرة روايات عائشة عن النبي (ص )
هذا وإنّ عدم ورود لفظ هذا الحديث في شأن الصدّيقة الكبرى (عليها السلام) ليس لأنّها غير عالمة، بل لأنّه لو وردت مثل هذه اللفظة في حقّ الزهراء (ع) لَـعُـدَّ ذلك لمزاً فيها؛ وذلك لأنّها حدّدت بأخذ (شطر الدين) منها، في حين أنَّ الزهراء (عليها السلام) يؤخذ منها كلُّ الدين لا شطره، فلو أنَّه كان ينبغي صدور مثل هذا الحديث لورد بلفظ (الكل) كما ذكر العلامة الآلوسيُّ حيث قال في تفسيره: (وأنت تعلم ما في هذا الاستدلال وأنَّه ليس بنصٍّ على أفضلية الحميراء على الزهراء، وأما أولا: فلأنَّ قصارى ما في الحديث الأول على تقدير ثبوته إثبات أنَّها عالمة إلى حيث يؤخذ منها ثلثا الدين، وهذا لا يدلُّ على نفي العلم المماثل لعلمها عن بضعته عليه الصلاة والسلام، ولعلمه (صلى الله تعالى عليه و[آله] وسلم) أنَّها لا تبقى بعده زمنا معتدَّاً به يمكن أخذ الدين منها فيه لم يقل فيها ذلك، ولو علم لربما قال: خذوا كلَّ دينكم عن الزهراء، وعدم هذا القول في حقِّ من دلَّ العقل والنقل على علمه لا يدلُّ على مفضوليته وإلَّا لكانت عائشة أفضل من أبيها؛ لأَّنه لم يرو عنه في الدين إلا قليل) [روح المعاني ج2 ص150].
والسيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) عندنا مطهرةٌ معصومةٌ- بنص آية التطهير -، وقوام العصمة هو العلم بالواقع، فلا مجال للمقايسة بين علمها وعلم عائشة أو غيرها من الصحابة.
كما وردت رواياتٌ تدلُّ على مثل هذا المعنى؛ كحديث: «أهل بيتي كسفينة نوح..» فإنه شاملٌ للصديقة، ويدلُّ على أنَّ التمسك بها والأخذ منها منجاةٌ من الفتن والضلالة، وكأحاديث: «سيدة نساء العالمين» و«سيدة نساء أهل الجنة» و«سيدة نساء المؤمنين» فإنَّها تدلُّ على أنَّها أولى من غيرها بأخذ الدين منها، وكحديث: «فاطمة بضعة مني» إذ لا يعقل أنْ لا يُؤخذ الدين من بضعة النبيّ وروحه، وغيرها من الأحاديث.
ومن الواضح أنَّه لا مقايسة بين المعصوم وبين غير المعصوم، فالأول يؤخَذ منه كلُّ الدين لا شطره فحسب، بخلاف غير المعصوم فإنه يُؤخذ منه – لو كان موثوقاً مأموناً – ما يرويه عن المعصوم من الدين.
وأما قلَّة رواية سيدة النساء فاطمة (عليها السلام) فذلك يُعزى إلى سببٍ رئيس وهو: أنّها (عليها السلام) أشدّ النساء التزاماً بتعاليم الشريعة التي حضّت على أنَّ خيراً للنساء أنْ لا يرين الرجال ولا يراهنَّ الرجال، وأنْ يصلّينَ في بيوتِهِّنَّ، ولا يخرجنّ منها إلَّا للضرورة، وغير ذلك من التعاليم التي لم تجعل للنساء دوراً في التصدي للأمور العامّة، وقد كانت الزهراء (عليها السلام) مثالاً صادقاً وبارزاً في الالتزام بهذه التعاليم. ومن الواضح أنّ ذلك يقتضي بطبيعة الحال أنْ لا يكثر حديثها المنقول عنها عن طريق الرجال.
مع أنّها عاشت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدّةً قصيرةً لا تتجاوز – على أبعد التقادير – ستّة أشهر، وقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حقّها: «أنتِ أوّل أهل بيتي لحوقاً بي» [صحيح البخاريّ ج3 ص١٣٢٦]، وهناك أسباب وعوامل أخرى.
وبناءً على ما سبق، يمكننا أنْ نستنتج أنَّ التزام السيدة الزهراء (عليها السلام) الوثيق بالتعاليم الشريعة لم يكن يسمح لها بمخالطة الرجال ورواية الأحاديث لهم والتصدي للأمور العامة.
فحتى لو أنَّها (عليها السلام) عاشت فترةً طويلةً بعد وفاة والدها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لبقي الحال على ما هو عليه من قلّة الرواية عنها، لأنّها لم تكن لتسمح أنْ يراها الرجال ولا أنْ تراهم.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.
اترك تعليق