هل الإلحاد بريءٌ من الشرور وجالبٌ للسلام؟
السؤال: يسعى الملاحدة إلى تبرئة الإلحاد من جميع صور الشرور؛ فلا قتلَ، ولا عنفَ، ولا مجازرَ ناتجة عن الإلحاد.. وبالتالي، فالعالم سيكون في عافيةٍ وسلامٍ لو تمَّ التخلُّص من الدين جملةً وتفصيلاً.
الجواب:
قد أجبنا سابقاً عن سؤالٍ مشابهٍ تمّ نشره في مركزنا بعنوان: (هل الحياة بدون أديانٍ هي حياةٌ بدون حروب؟)، وركّزنا فيه على ثلاث نقاطٍ محوريَّة:
أوّلاً: أوضحنا أنّ العنف ظاهرةٌ إنسانيّةٌ تتجاوز الأديان والإيديولوجيّات، وأنّ تحليلها لا يُختزَلُ في سببٍ واحد؛ لأنّ الإنسان يبقى قادراً على تبرير الحروب حتّى لو ألغى كلَّ دينٍ من الوجود.
وثانياً: فصّلنا الفرق الجوهريَّ بين (الدين) كمنظومةٍ أخلاقيّةٍ وتعليماتٍ إلهيَّة، وبين (التديّن) كسلوكٍ بشريٍّ قابلٍ للانحراف، فلا يجوز تحميل الدين وزر تصرّفات أتباعه إنْ خالفوا أوامره.
وثالثاً: بيّنا أنّ الدين الحقيقيّ لم يأتِ إلّا ليُصلح الإنسان، ويعلو به عن نوازع الجهل والعدوان، وأنّ مظاهر التخلف لا تُدان بها الأديان، بل تُدان بها النفوس التي تشوّه كلّ فكرةٍ تنتمي لها.
أما في هذه الإجابة، فسوف نركّز على تفنيد الادّعاء القائل: بأنّ الإلحاد بريءٌ من أيّة مسؤوليّةٍ عن الشرور في العالم، وكأنّه السبيل الوحيد لخلاص البشريّة من كلِّ عنفٍ، بل وكأنّه حارس الأخلاق وعنوان الإنسانيّة. ولهذا لابدّ من تفكيك هذا الوهم، والردّ عليه بجذوره ومظاهره.
فأوّل ما ينبغي التنبيه عليه أنَّ الإلحاد ليس غياب الإيمان بالله فقط، بل هو رؤيةٌ للعالم، تقوم على إنكار أيّة مرجعيّةٍ إلهيّةٍ عليا، وبالتالي فهو ينفي وجودَ معنىً مطلقٍ للخير والشر، وينزع عن الوجود الإنسانيّ أيّةَ قدسيّة، ويجعل من الإنسان مجرّد كائنٍ بيولوجيٍّ بلا غايةٍ علويّة، ولا هدفٍ نهائيّ.
وهذا - بحدّ ذاته - يفتح الباب واسعاً لتبرير كلِّ سلوكٍ مهما كان شرّيراً، ما دام يوافق المصلحة أو الهوى أو الرؤية النفعيّة لصاحبه، أو لطبقته، أو لنظامه السياسيّ.
ولو نظرنا إلى التاريخ الحديث لوجدنا أنّ أكثر المجازر دمويّة، وأكبر الأنظمة قمعاً، لم تكن دينيّةً، بل كانت إلحاديّة، بل إنّ الإلحاد لم يكن مجرّد موقفٍ فلسفيٍّ عندهم، بل أصبح أيديولوجيَّا تُفرَض بالقوّة على المجتمعات من خلال القتل والتنكيل والقمع.
ولنا في أنظمةٍ مثل الاتحاد السوفيتيّ في عهد ستالين، والصين الشيوعيّة في عهد ماو تسي تونغ، وكمبوديا في ظلّ بول بوت، أمثلةٌ صارخةٌ على ذلك. فهذه الأنظمة التي ارتكبت مجازر مروّعة بحقّ شعوبها، كانت تحكم بعقيدةٍ ماديَّةٍ صرفةٍ، قائمةٍ على الإلحاد ومحاربة الدين، لا بل كانت ترى الدين خرافةً يجب اقتلاعها بأيِّ ثمن، وقد قُتل بسبب ذلك الملايين، لا لشيء إلّا لأنّهم تمسّكوا بإيمانهم، أو حاولوا التمسّك بشيءٍ من القيم التي تتعارض مع فلسفة الماديّة والإلحاد.
فمثلاً: تسبّبت السياسات القمعيّة الإلحاديّة في الاتّحاد السوفيتيّ بموت عشرات الملايين، بين إعداماتٍ جماعيّةٍ، ومجاعاتٍ مصطنعةٍ، وسجون سيبيريا، وكانت الكنائس تُغلق وتُهدم، ورجال الدين يُقتلون أو يُنفون لمجرّد تمسّكهم بعقيدتهم. وفي الصين قُتل أكثر من 45 مليون إنسانٍ في سنواتٍ قليلةٍ فقط من (الثورة الثقافيّة) التي كانت تهدف إلى استئصال ما أسموه (الرجعيّة) الدينيّة والثقافيّة. وفي كمبوديا تسبّب النظام الماديّ في هلاك 25 في المئة من سكان كمبوديا.
فأيُّ ادّعاءٍ بأنّ الإلحاد بريءٌ من الدماء هو إنكارٌ للواقع، وتجاهلٌ متعمّدٌ لجرائمَ موثّقةٍ في العصر الحديث لا يمكن مقارنتها بأيّة أحداثٍ دينيّةٍ حتّى وإنْ أُسيء فيها فهم الدين أو استُغلّ لأغراضٍ سياسيّة.
ثمّ، كيف يُعقل أنْ يكون الإلحاد منبعاً للسلام وهو لا يؤمن بأصل مفهوم (السلام) كقيمةٍ مطلقة؟ فالمسلم أو المسيحيّ أو اليهوديّ حين يدعو إلى السلام، فهو يستند إلى أصلٍ دينيٍّ يرى في الإنسان مخلوقاً مكرَّماً، ويؤمن بأنّ الله يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفساد والعدوان.
أمّا الملحد، فلا مرجعيّة فوق أنانيّته الشخصيّة، ولا معنى للسلام عنده إلّا بقدر ما يحقّق له منفعةً ماديّةً، أو يدفع عنه ضرراً معيناً، فإذا تعارضت (المصلحة) مع (السلام)، فما الذي يمنعه حينها من اختيار العنف؟ ما هو الحاجز الأخلاقيّ الذي يردعه؟ من أين يأتي بهذا المعيار الأخلاقيّ أصلاً، وهو ينكر أيّ قيمةٍ مطلقةٍ في الوجود؟
والدين، وإنْ استُغلّ في بعض العصور من قبل بعض المنتفعين، إلّا أنّه ظلّ في جوهره قوّة ضميرٍ تردع الإنسان عن الظلم، وتدعوه إلى الرحمة والعدل، وتُذكّره بأنّه مسؤولٌ أمام خالقه عن أفعاله. وهذا ما يفتقده الإلحاد تماماً.
بل إنّنا إذا نظرنا إلى القيم الأخلاقيّة الكبرى - كالعفو، والإيثار، والرحمة، ومساعدة الضعفاء - سنجدها في عمق الرسالات السماويّة، ولا نجد لها مبرّراً مقنعاً في الإلحاد، إلّا إذا كانت نتيجةً لتربيةٍ دينيّةٍ سابقةٍ، أو محاكاةٍ ثقافيّة.
أمّا الادّعاء بأنّ العالم سيكون بخيرٍ لو تخلّص من الدين، فهو من أكبر الأكاذيب المُروَّجة؛ لأنّ واقع المجتمعات الحديثة التي انحسرت عنها القيم الدينيّة لا يبشّرُ بخيرٍ، بل تفشّت فيها أمراضٌ أخلاقيّةٌ ونفسيّةٌ واجتماعيّةٌ خطيرةٌ، من انهيار الأسرة، إلى تفشي الانتحار، إلى ازدياد نسب الإدمان، إلى القلق الوجوديّ العميق الذي يشعر به الشباب في تلك المجتمعات، رغم كلّ التقدّم الماديّ والتقنيّ، فهل هذه هي العافية التي يبشّر بها الإلحاد؟
إنّ الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنّ الخطأ ليس في أصل الدين، بل في سوء فهمه أو توظيفه لأغراضٍ سلطويّةٍ، كما يقتضي أيضاً الاعتراف بأنّ الإلحاد ليس بريئاً، بل يحمل في داخله نزعةً خطرةً حين يتحوّل إلى أيديولوجيا؛ إذ يبيح للإنسان أنْ يفعل ما يشاء، دون خشيةٍ من حساب، ولا شعورٍ برقابة عليا، ولا إيمانٍ بغائيَّة الحياة.
اترك تعليق