طهارة نسب المعصومين (ع) من الكفر والشرك
السؤال: عقيدة الشيعة أنَّ آباء النبيّ مؤمنون الى آدم، وأمَّه وجداته مؤمناتٌ إلى حواء، فهل يجري ذلك في أمَّهات وجدَّات الأئمة (عليهم السلام)؟ وهل وجود كافرٍ مثلاً كجدٍّ لأحد أمَّهات الأئمة جائزٌ أنْ يكون أم لا؟
الجواب:
أولاً: عقيدة الشيعة الإماميّة المأخوذة من الأحاديث الشريفة: أنّ آباء النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى آدم (عليه السلام) كلّهم موحّدون مؤمنون، وكذلك أمّهاته وجدّاته.
قال الشيخ الصدوق: (اعتقادنا في آباء النبيّ: أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله، وأنّ أبا طالبٍ كان مسلماً، وأمّه آمنة بنت وهب كانت مسلمة. وقال النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «خرجتُ من نكاحٍ، ولم أخرج من سفاحٍ من لدن آدم») [الاعتقادات ص110].
وقال العلّامة المجلسيّ: (اتّفقت الإماميّة (رضوان الله عليهم) على أنّ والديّ الرسول وكلّّ أجداده إلى آدم (عليه السلام) كانوا مسلمين، بل كانوا من الصدّيقين: إمّا أنبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين، ولعلّ بعضهم لم يُظهِر الإسلام لتقيّةٍ أو لمصلحةٍ دينيّةٍ) [بحار الأنوار ج15 ص117].
وقد ورد هذا بشكلٍ واضح في الروايات المأثورة.
وثانياً: هذا المفهوم يجري كذلك في الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّهم حجج الله المعصومون، ومن غير الممكن – عقلاً ونقلاً – أنْ يكون في سلسلة نسبهم المباشر من جهة الآباء أو الأمهات مشركٌ أو نجسُ العقيدة. وهذا ما يُعبَّر عنه في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بالقول: «أشهد أنّك كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة، والأرحام المطهَّرة، لم تنجّسْك الجاهليّة بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمّات ثيابها».
وقد عبّرت الروايات عن انتقال الأئمّة (عليهم السلام) من «الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهّرة»، فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) - في حديثٍ طويل -: «ثمّ أودِعنا بذلك النور صلب آدم (عليه الصلاة والسلام)، فما زال ذلك النور ينتقل من الأصلاب والأرحام من صلبٍ إلى صلبٍ، ولا استقرّ في صلبٍ إلّا تبيّن عن الذي انتقل منه انتقاله، وشرف الذي استقرّ فيه حتّى صار في صلب عبد المطلب، فوقع بأمّ عبد الله فاطمة، فافترق النور جزأين: جزءٌ في عبد الله، وجزءٌ في أبي طالب، فذلك قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}، يعني في أصلاب النبيّين وأرحام نسائهم، فعلى هذا أجرانا الله تعالى في الأصلاب والأرحام، وولدنا الآباء والأمهات من لدن آدم (عليه السلام)» [بحار الأنوار ج25 ص20].
والروايات بهذا المعنى كثيرة، وكلّها تدلّ على السلسلة الطاهرة لآباء وأمّهات النبيّ والأئمّة من أهل بيته الطاهرين.
ثالثاً: بل يمكن الذهاب إلى أنّ اختيار الأمّهات كان بتقديرٍ إلهيٍّ ولحكمةٍ مخصوصة، بحيث يتناسب مع شرف الإمامة وطهارة العصمة، وهذا ما ورد في بعض النصوص في أنّ الأئمّة كيف كانوا يتحدّثون عن أمهاتهم.
فمثلاً: يتحدّث الإمام الصادق (عليه السلام) عن حميدة أمّ الإمام الكاظم (عليه السلام)، فيقول: «حميدةُ مصفّاةٌ من الأدناس كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها حتى أُدِّيت إليّ كرامةً من الله لي والحُجّة من بعدي» [الكافي ج1 ص477]. وفي هذا الحديث دلالةٌ واضحةٌ على أنّ أمّ المعصوم (عليها السلام) تعيش تحت الحراسة والرعاية الإلهية منذ البدء، حيث وَكَّلَ الله تعالى أملاكاً تحرسها وتدرأ عنها شوائب الأقذار؛ وذلك لكي تكون الوعاء المناسب للحجّة (عليه السلام).
وأيضاً ذكر أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) جدَّته أمّ أبيه، فقال (عليه السلام): «كانت صدّيقة، لم تُدرك في آل الحسن امرأةٌ مثلها» [الكافي ج1 ص469]. وهذا يعني أنّها كانت منذ البدء كاملةً طاهرةً.
وقد ورد أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) وصف أمَّه بقوله: «أمي عارفةٌ بحقّي، وهي من أهل الجنّة، لا يقربها شيطانٌ ماردٌ، ولا ينالها كيد جبّارٍ عنيد، وهي مكلوءةٌ بعين الله التي لا تنام، ولا تختلف عن أمّهات الصدّيقين والصالحين» [دلائل الإمامة ص410].
وهذا الاصطفاء الإلهيّ يشبه في مضمونه ما ورد في شأن مريم بنت عمران: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42]، ممّا يعني أنّ الطهارة والاصطفاء أمرانِ متلازمانِ في النساء اللَّواتي لهنّ أدوارٌ إلهيَّةٌ كبرى مثل حمل المعصومين.
ورابعاً: أمّا ما قد يورده البعض - من أنّ بعض أمّهات الأئمّة كنّ إماءً من غير العرب – فهو لا ينافي الإيمان ولا الطهارة؛ إذ إنّ الإيمان لا يُقاس بالنسب العربيّ، بل بالعقيدة والطهارة الباطنيّة، وكلّ مَن وقع عليها اختيار الله لحمل نور الإمامة كانت مؤمنةً موحّدةً، حتّى لو كانت من بلادٍ بعيدة، كما في حال السيّدة نرجس أمّ الإمام المهدي (عليه السلام)، التي دلَّت الأخبار على أنّها كانت من ذراري الحواريّين، وأنّها نُقلت إلى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) بأمرٍ من الله تعالى.
اترك تعليق