هل تناقض الإمامة عقيدة ختم النبوَّة؟
السؤال: ما معنى أنْ يكون محمدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء والمرسلين إذا كانت صلاحيات النبيّ كلُّها مستمرةً بعده؟ ما معنى أن يكون رسول الله خاتم الأنبياء وهناك رجالٌ بعده معصومون ومُلهمون وواجبو الاتّباع، ولهم من المعجزات الدالَّة على إمامتهم ما للنبي من معجزاتٍ تدلُّ على نبوَّته؟ ولماذا نصّ القرآن على عقيدة ختم النبوَّة ما دام الأمر كذلك؟ هل القضية مجرد إيقاف استخدام مصطلح (نبي) واستبداله بمصطلح (إمام) بحيث لا يبقى فرقٌ بين النبيّ والإمام إلَّا بالاسم فقط؟ فهل اعطيتمونا ما هو الفرق؟
الجواب:
حين نتحدَّث عن مفهوم ختم النبوَّة، ينبغي أنْ نوضح أولاً أنَّ معناه هو انتهاء دور التشريع السماويِّ ببعثة النبيّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كانت وظيفة الأنبياء جميعاً إيصال الوحيِّ الإلهيِّ إلى الناس، وبيان الشريعة، وتجديد العهد الإلهيِّ مع البشريَّة كلَّما طال عليهم الأمد أو انحرفوا عن طريق الحق.
ومع بعثة النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله) بلغ الوحيُ غايته، وكمل الدين، فلم تبقَ حاجةٌ إلى نبيِّ جديدٍ، ولا إلى رسالةٍ جديدةٍ، كما قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
فختم النبوَّة لا يعني أنَّ الله سبحانه وتعالى قد قطع الصلة بالغيب عن عباده، أو أهمل الأمة بعد رحيل نبيِّه الكريم، بل مقتضى رحمته تعالى أنْ يُبقي في الأمة مَن يحفظ الدين ويصونه ويقوم مقام النبيّ في الهداية والقيادة، ولكن بدون نزول وحيِّ تشريعيٍّ جديد.
ومن هنا تتجلَّى حكمة تعيين الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، الذين تولوا مهمة بيان الشريعة الخاتمة وحفظ معالمها وتطبيقها في حياة الناس، دون أن يكونوا أنبياءً يتلقَّوْنَ الوحي المستقل أو يسنُّون شرعاً جديداً، فدورهم (عليهم السلام) بعد ختم النبوَّة إنّما هو دور الهداة، وقد ورد - في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ} [الرعد: 7] -: أنّ المنذر هو رسول الله (ص)، الهادي هو أمير المؤمنين (ع) [ينظر: المستدرك ج3 ص130].
أمّا ما يتعلّق بالعصمة والإلهام والمعجزات التي يثبتها الشيعة للأئمة (عليهم السلام)، فهي لا تعني النبوَّة بحالٍ من الأحوال؛ فأمّـا العصمة فهي ضرورةٌ لمن يتصدَّى لحفظ الدين وهداية الأمة؛ لأنّها تضمن أنْ يكون القائدُ الإلهيُّ مصوناً عن الخطأ والزلل والانحراف.
وأمّـا الإلهام الذي يتلقاه الإمام المعصوم فليس وحياً تشريعيّاً، بل هو فيضٌ ربانيٌّ وتسديدٌ إلهيٌّ يجعلانه قادراً على فهم الحقائق الإلهيّة بدقّةٍ تامّة، كما وقع مع مريم (عليها السلام)، التي رغم اتصالها بالغيب لم تكن نبيّة.
وأمّا المعجزة فهي أمرٌ خارقٌ للعادة يجريه الله على يد مَن شاء من عباده لإقامة الحجّة، وقد أجراها على أيدي بعض أوليائه الذين لم يكونوا أنبياء، كما في قصة آصف بن برخيا الذي جاء بعرش بلقيس في طرفة عين؛ قال تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40].
فالفرق الجوهريّ - إذن - بين النبيّ والإمام واضحٌ لا غبار عليه، فالنبيّ يتلقّى الوحي التشريعيّ ويؤسّس الشريعة ويُبلِّغها للناس، وأمّا الإمام فوظيفته حفظ الشريعة المُبلَّغة، وبيان معانيها، وتطبيق أحكامها، دون أن يتلقّى وحياً جديداً أو يُشرّع ديناً مستقلاً؛ ولهذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله (عزّ وجلّ) أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى - والله - ما ترك اللهُ شيئاً يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبدٌ أنْ يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلّا وقد أنزله الله فيه» [الكافي ج1 ص59]، فدور الإمام هو استخراج هذا البيان الربّانيّ الكامل، لا تأسيس شريعةٍ جديدةٍ، ولا دعوة لوحيٍّ مستقلّ.
وإذا نصّ القرآن على ختم النبوَّة، فإنّما نصّ بذلك على انتهاء عهد الرسالات والتشريعات السماويّة الجديدة، لا على انقطاع الهداية الإلهيّة، فختم النبوَّة هو سدٌّ لباب النبوّات الجديدة، منعاً لكلّ تلاعبٍ وافتراءٍ وادّعاءٍ بالباطل، ولكنّه لا يناقض استمرار خطّ الهداية عبر الأوصياء المعصومين، الذين يتكفلّون تطبيق الشريعة الخاتمة، لا نسخها.
فاستمرار وجود الحجّة المعصوم هو عين اللطف الإلهيّ لحفظ الدين وضمان استمراريّته، وهو ما ينسجم تماماً مع حكمة الختم، لا ما يناقضها.
وفي المحصلة، الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) ليسوا أنبياءً؛ لأنّ النبوَّة تتعلّق بتلقّي وحيٍّ تشريعيٍّ مستقلّ، وهو ما قد انتهى، أمّا الإمامة فهي لحفظ الشريعة القائمة وبيان حقائقها، لا لإضافتها أو تعديلها.
وإذا كانت لديهم عصمةٌ وإلهامٌ ومعجزاتٌ، فإنّما هي من أجل تهيئتهم لأداء هذا الدور الإلهيّ العظيم، وليس لإدخالهم في مقام النبوَّة؛ وهكذا يتّضح أنّ الإمامة ليست نقضاً لمفهوم الختم، بل استكمالٌ لحكمة الرسالة الخاتمة، وصيانةٌ لدين الله إلى أنْ يرث الله الأرض ومَن عليها.
اترك تعليق