هل يشترط وجود المعصوم في كلِّ مكان؟
السؤال: من ضمن الاعتراضات العقليَّة على موضوع الامامة ما يأتي: ما دام الإمام المعصوم لا يُوجد في كلِّ ناحيَّةٍ على هذه الأرض، فهذا يعني أنّ الامام قد لا يوجد أيضاً في كلّ زمان، فلماذا يقول الشيعة بوجود معصومٍ في كلّ زمانٍ، وعدم وجوده في كلّ مكان، ومعروفٌ كثرة المناطق التي لم تصل إليها أحاديث الرسول و الأئمّة و الكتب والروايات؟
الجواب:
هذا الإشكال ناتجٌ عن سوء فهمٍ لطبيعة الإمامة وغاية وجود الإمام، كما يتضمّن خلطاً بين ضرورة وجود الحجّة من الناحية العقليّة، وبين إمكانية حضوره الفعليّ في كلّ زمانٍ ومكانٍ من الناحية العمليّة.
أوّلاً: القول بضرورة وجود إمامٍ معصومٍ في كلّ زمانٍ يستند إلى مقتضيات الحكمة الإلهيّة؛ إذ إنّ وجود الحجّة في كلّ عصرٍ يُعدّ ضرورةً عقليّةً لحفظ الشريعة، واستمرار الارتباط بالله تعالى، لكن هذا لا يعني أنّ الإمام يجب أنْ يكون موجوداً في كلّ مكانٍ من الأرض، تماماً كما أنّ النبيّ في زمانه لم يكن حاضراً في جميع بقاع الأرض، بل كان مقيماً في منطقةٍ محدّدة، ومع ذلك كانت نبوّته حجّةً على الناس كافّة.
فالمقصود هو وجود الحجّة الإلهيّة كمبدأ ومرجع، لا حضوره المكانيّ في كلّ بقعة.
وثانياً: لو أخذنا اعتراضَ المعترضِ على مأخذَ الجدّ لوقع في تناقضٍ واضح؛ لأنّ مقتضى اعتراضه أن يُنفى حتّى وجود الأنبياء أنفسهم - وعلى رأسهم النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) -، لمجرّد أنّهم لم يكونوا متاحين حضوريّاً في كّل مكانٍ من العالم في زمانهم. فهل يمكن لعاقلٍ أنْ يقول: إنّ النبيَّ لم يكن موجوداً لأنّه لم يصل إلى الصين أو الأمريكيّتين أو أعماق إفريقيا خلال حياته؟!
فهذا المنطق يقوّض الأساس الذي تُبنى عليه النبوّة والإمامة معاً؛ لأنّ حجّيّة الحجّة لا تتوقّف على حضورها المكانيّ، بل على وجودها الواقعيّ وقيام الحجّة بها من حيث المبدأ.
وثالثاً: إنّ وجود الإمام المعصوم في كلّ زمانٍ لا يعني أنّه مرشدٌ مباشرٌ لكلّ فردٍ في كلّ مكانٍ، بل يعني وجود مرجعٍ محفوظٍ من الخطأ يُرجع إليه عند الحاجة، ويكون محوراً لحفظ الدين واستمرار الهداية الإلهيّة. وهذه الحقيقة أكّدتها النصوص المتواترة عن النبيّ وأهل بيته، ففي الحديث عن أبي حمزة قال: «قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت» [الكافي ج1 ص179]، فوجود الحجّة ضرورة لحفظ نظام الوجود نفسه، وليس فقط لحفظ التشريع والدين.
فليس من لوازم وجود الحجّة أن يكون ظاهراً في كلّ مكانٍ، وقد عبّر الإمام عليّ (عليه السلام) عن هذا المعنى بوضوح في قوله: «اللّهمّ بلى، لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحججه، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لئلّا تبطل حجج الله وبيّناته» [نهج البلاغة ج٤ ص٣٧].
فالغاية من وجود الإمام ليست الظهور العلنيّ الدائم، بل أنْ تبقى الحجّة قائمةً في الأرض؛ لأنّ بطلان الحّجة يعني بطلان الغاية من الخلق، وانقطاع صلة العباد بالله، وهذا ما لا يتصوّره عقلٌ ولا تقبله شريعة.
ورابعاً: ما ذكره المعترِض: من أنّ (كثرة المناطق لم تصلها أحاديث النبيّ والأئمّة)، لا يضرّ بحجّيّة الإمام، بل هو ناتجٌ عن تقصير الناس، لا عن قصورٍ في الحجّة، فكما لم تصل دعوة الأنبياء إلى كلّ أحدٍ، كذلك لم تصل الروايات إلى كلّ مكان، ولكن تبقى الحجّة قائمةً بحكم وجود الإمام نفسه، ووجود مَن ينوب عنه، ويوصل تعاليمه، ويحفظ آثاره، بحسب ما تقتضيه ظروف الزمان والمكان.
فلو اشترطنا وجود الإمام في كلّ مكانٍ لصحّ أنْ يُقال: إنّ الله غير عادلٍ؛ لأنّه لا يرسل نبيّاً إلى كلّ مدينةٍ وقرية، وهذا باطلٌ؛ لأنّ تكليف الناس مبنيٌّ على بلوغ الحجّة، لا على قربها المكانيّ. فالعقل والشرع يكتفيان بوصول الحجّة من طريقٍ يمكن الاعتماد عليه، لا بوجود شخص المعصوم في كلّ ناحية.
فالإمامة منظومةٌ إلهيّةٌ تتكامل من خلال الأدوار التي يؤدّيها الإمام بنفسه حين تتاح له الظروف، أو من خلال نوّابه والعلماء الربانيّين الذين يأخذون من نوره ويبلّغون عنه، كما في زمن الغيبة الكبرى، فإنّ الحجّة محفوظ، ولكنّ المرجعيّة تقع على عاتق العلماء العدول الذين يستندون إلى فقه أهل البيت (عليهم السلام) في استنباط الأحكام.
وفي المحصّلة: وجود الإمام المعصوم في كلّ زمانٍ ضرورةٌ من باب خلافة الله في الأرض، وضرورةٌ من باب حفظ الدين، وليس من باب أنْ يكون معلّماً مباشراً لكلّ فردٍ في كلّ مكان، بل يكفي أن يكون مرجعاً محفوظاً من الخطأ، تتّصل به الأمّة بوسائط مشروعة، كما كان الحال مع سائر الأنبياء والأوصياء في مختلف العصور.
اترك تعليق