إذا كانت الإمامة بالوراثة، فلماذا لم يُبقِ الله للنبيّ (ص) أبناءً ذكورا؟
السؤال: سؤال للشيعة: إذا كنتم تظنُّون أنَّ الله أراد أنْ يكون الدين بالوراثة، وحكم المسلمين بالوراثة حسب دينكم، (ليش ربكم ما أبقى نسل النبي ذاته؟ ليش يجعلها في ابن عمه)؟
الجواب:
من الخطأ الفادح أن يُصوّر المعتقد الشيعيّ في الإمامة وكأنّه مجرّد وراثةٍ كسائر أنظمة الحكم الوراثيّ، فالعقيدة الشيعيّة لا ترى في الإمامة انتقالاً نسبيّاً أو سلالةً عائليّةً بالمفهوم الدنيويّ، بل تؤمن بأنّها منصبٌ إلهيٌّ يتولاّه من يختاره الله تعالى، بعد أنْ يثبت استحقاقه عبر صفاتٍ محدّدةٍ على رأسها العصمة والطهارة والعلم الكامل بالدين.
ولهذا، فإنّ الإمامة في منطق الشيعة ليست استحقاقاً بالنسب، بل اختيارٌ إلهيٌّ يُمنح للمؤهّلين له من العترة الطاهرة، كما بيّن الله تعالى في قوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 24]، فقولُه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي} دليلٌ واضحٌ وصريحٌ على أنّ الإمامة عهدٌ من الله تعالى، غيرُ خاضعٍ للذوق واختيار الناس، فحتّى مَن هم من ذرّيّة إبراهيم لم يُمنحوا الإمامة إذْ لم يكونوا مستحقّين لها، وهذا يدلّ على أنّ الاستحقاق قائمٌ على الصفات لا على النسب.
وبالرغم من ذلك، فإنّ الله تعالى قد شاء أنْ يكون هذا الاصطفاء ضمن ذريّة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وهذا لا يُناقض ما سبق، بل يُبيّن أنّ ذريّة النبيّ كانت محلّاً للاصطفاء لأنّها أهلٌ لذلك، ولأنّ الله أراد أنْ تبقى الأمّة متّصلةً بمنهج النبوّة عبر هذا الخطّ الطاهر. فالاصطفاء الإلهيّ في ذريّة النبيّ هو امتدادٌ لسنّة الله في خلقه، حيث قال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33-34].
فالمسألة ليست توريثاً بالمعنى الدنيويّ، بل هي سنّةٌ إلهيّةٌ في اصطفاء المتأهّلين من ذريّة الأنبياء لحمل أمانة الدين والهداية، ضمن خطٍّ متّصلٍ بالنور الإلهيّ، لتبقى الرسالة محفوظةً من الانحراف عبر مَن طهّرهم الله تطهيراً.
أمّا الزعم بأنّ الإمامة انتقلت إلى ابن عمّ النبيّ، فمغالطةٌ أخرى، فالحسن والحسين (عليهما السلام) ليسا ابني عمّ النبيّ، بل سبطاه من ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وهما أبناه، كما صرّح القرآن بذلك في قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران: 61]، وقد أجمع المسلمون على أنّ المقصود بـ {أَبْنَاءَنَا} في الآية هم الحسن والحسين. وهذا يدّل على أنّ نسب الزهراء فاطمة إلى النبيّ نسبٌ مباشرٌ كما هو حال الذكور، فالإمامة بقيت في نسله فعلاً، من طريق ابنته.
وأما السؤال (لماذا لَـم يُبقِ الله نسل النبيّ من الذكور؟) فهو سؤالٌ غريبٌ في واقعه؛ لأنّ مقصود السائل إنكار حكمة الله في اختياره، وكأنّ لزاماً على الله (جلَّ جلاله) أن يُبقِي نسل نبيّه بالطريقة التي يتصوّرها هو !! فالله تعالى أراد بحكمته أنْ يجعل نسل النبيّ (ص) عن طريق بضعته فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهذا النسل امتدّ في ذريّة الحسن والحسين، ومَن لم يقبل بهذا النسل ليس بالضرورة يقبل نسل النبيّ عن طريق الأبناء الذكور.
بل إنّ هذا السؤال يعود ليضرب نفسه بنفسه، فإنّ السائل يريد أن يشكّك في كون الإمامة من بعد النبيّ قد انتقلت إلى أهل بيته، ثمّ يستغرب أنّ الله لَـم يُبقِ له ذكراً، فهل يريد السائل أن يُبقي الله للنبيّ نسلاً ذكوريّاً ليُبرّر انتقال القيادة إليهم؟ فإنْ كان الجواب: نعم، فهذا تأييد لفكرة انتقال الإمامة في ذريّته. وإنْ كان الجواب: لا، فلماذا يثير هذا السؤال أصلاً؟! فالإشكال إمّا أن ينهار ذاتيّاً، أو ينقلب حجّةً على صاحبه.
وأمّا جعل الإمامة في (ابن عمّه) الإمام علي (عليه السلام)، فهو تعبيرٌ غير دقيق؛ فالإمامة لم تُجعَل لعليٍّ لأنّه ابن عمّ النبيّ، بل لأنّه أوّل مَن آمن به، وأعلم الناس بالكتاب، وأقواهم التزاماً بالحقّ، وأشدّهم تضحية، وأقربهم للنبيّ سلوكاً وعصمة، وقد نصّ عليه النبيّ مراراً في مناسباتٍ متعدّدة، أشهرها حديث الغدير: «مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه»، وكان النبيُّ قد صرّح بذلك في بدء دعوته أيضاً عندما قال: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي» في واقعة يوم الدار، فليس النسب هو العلّة، وإنّما الكفاءة والمقام والاختيار الإلهيّ.
ولعلّ أعظم ردٍّ على هذا الإشكال أنْ يُقال: إنّ العقل والدين يشهدان أنّ منصب قيادة الأمّة بعد النبيّ لا يُترك للفوضى، ولا يُجعل محلّ نزاعٍ أو انتخابٍ متسرّع، وإنّما يختاره الله كما اختار النبيَّ نفسه، والإمامة هي استمرارٌ لوظيفة الهداية الربانيّة، واصطفاء الأئمّة من أهل بيت النبيّ صيانة للدين وليست توريثاً دنيويّاً.
فما تعتقده الشيعة أنّ الله لم يُرد للقيادة بعد النبيّ أن تكون بالوراثة الدنيويّة، ولا بالانتخاب السياسيّ، بل أرادها قيادةً ربانيّةً موصولةً بالوحي من خلال وصيٍّ مصطفى، يختاره كما اختار نبيَّه (صلى الله عليه وآله).
اترك تعليق