زواج النور من النور

السؤال: هل زواج الإمام علي من السيِّدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام) كان بأمرٍ من الله تعالى؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يُعدُّ زواج الإمام علي بن أبي طالب من السيِّدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام) من أعظم الأحداث في التاريخ الإسلامي، إذْ جُمع بين أطهر شخصين على الإطلاق بعد النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله). وقد تمَّ هذا الزواج المبارك في السنة الثانية من الهجرة بعد أنْ تقدَّم لها جماعة، فقوبلوا بالرفض.

كان زواج الأمير من الزهراء (عليهما السلام) مثالاً للبساطة والعفَّة والتقوى، حيث كانت الحياة الزوجية عامرة بالمودَّة والمحبَّة والرحمة. وقد أثمر هذا الزواج الطاهر ذريةً مباركة، كان منها الحسن والحسين (عليهما السلام)، وسائر الأئمَّة الطاهرين. كما كان زواجهما هذا بأمرٍ من الله تعالى كما ورد في تراث العامَّة والخاصَّة، نذكر جملة من ذلك رعاية للاختصار وخشية الإطالة.

القسم الأوّل: روايات الخاصَّة:

1ـ ما رواه الشيخان الكلينيّ والصدوق بالإسناد عن علي بن جعفر قال: سمعتُ أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «بينا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) جالس إذْ دخل عليه ملك له أربعة وعشرون وجهاً، فقال له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): حبيبي جبرئيل لم أرك مثل هذه الصورة؟ قال الملك: لستُ بجبرئيل، يا محمَّد، [أنا محمود] بعثني الله (عزَّ وجلَّ) أنْ أزوِّج النور من النور. قال: مَنْ ممنْ؟ قال: فاطمة من علي. قال: فلما ولى الملك إذا بين كتفيه: محمَّد رسول الله، علي وصيُّه. فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): منذ كم كتب هذا بين كتفيك؟ فقال: من قبل أنْ يخلق الله آدم باثنين وعشرين ألف عام» [الكافي ج1 ص460، الأمالي ص688، معاني الأخبار ص103، الخصال ص640، دلائل الإمامة ص93].

2ـ وما رواه الشيخ الكليني بسنده عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إنما أنا بشر مثلكم أتزوَّج فيكم وأزوّجكم، إلَّا فاطمة (عليها السلام) فإنَّ تزويجها نزل من السماء» [الكافي ج5 ص568، من لا يحضره الفقيه ج3 ص ٣٩٣].

3ـ وما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال: «قال لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): يا علي، لقد عاتبتني رجال قريش في أمر فاطمة وقالوا: خطبناها إليك فمنعتنا وتزوَّجت علياً، فقلتُ لهم: والله ما أنا منعتكم وزوَّجته بل الله تعالى منعكم وزوَّجه، فهبط عليَّ جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمَّد، إنَّ الله (جلَّ جلاله) يقول: لو لم أخلق علياً (عليه السلام) لَـمَا كان لفاطمة ابنتك كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه» [عيون أخبار الرضا ج1 ص ٢٠٣].

4ـ وما رواه الطبري بالإسناد عن أنس بن مالك، قال: «ورد عبد الرحمن بن عوف الزهري، وعثمان بن عفَّان إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله) فقال له عبد الرحمن: يا رسول الله، تزوِّجني فاطمة ابنتك؟ وقد بذلتُ لها من الصداق مائة ناقة سوداء، زرق الأعين، محملة كلها قباطي مصر، وعشرة آلاف دينار. ولم يكن مع رسول الله أيسر من عبد الرحمن وعثمان. قال عثمان: بذلتُ لها ذلك، وأنا أقدم من عبد الرحمن إسلاماً. فغضب النبي (صلَّى الله عليه وآله) من مقالتيهما، ثمَّ تناول كفَّاً من الحصى، فحَصَب به عبد الرحمن، وقال له: إنك تهوُّل عليَّ بمالك؟ قال: فتحوَّل الحصى دراً، فقُوِّمت درة من تلك الدرر، فإذا هي تفي بكلِّ ما يملكه عبد الرحمن. وهبط جبرئيل (عليه السلام) في تلك الساعة - إلى قوله - وزوِّجْ علياً من فاطمة بخُمس الدنيا لها ولولدها إلى يوم القيامة. وكنتُ أنا وميكائيل شاهدين، وكان وليُّها الله تعالى. وأمر شجرة طوبى وسدرة المنتهى أنْ تنثرا ما فيهما من الحِلي والحُلل والطيب، وأمر الحور أنْ يلقطن ذلك، وأنْ يفتخرن به إلى يوم القيامة. وقد أمرك الله أنْ تزوِّجه بفاطمة في الأرض» [دلائل الإمامة ص82].

5ـ وما رواه ابن شاذان محمَّد بن أحمد القمِّي، عن بلال بن حمامة قال: «طلع علينا النبي (صلَّى الله عليه وآله) ذات يوم ووجهه مشرق كدارة القمر، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، ما هذا النور؟ فقال: بشارة أتتني من عند ربي في أخي وابن عمِّي وابنتي، وإنَّ الله تعالى قد زوَّج علياً (عليه السلام) بفاطمة، وأمر رضوان خازن الجنة فهزَّ شجرة طُوبى فحملت رقاعاً ـ يعني صِكاكاً ـ بعدد محبي أهل بيتي، وأنشأ من تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كلِّ ملك صِكاً، فإذا استوت القيامة بأهلها، نادت الملائكة في الخلائق: يا محبّو عليّ بن أبي طالب، هلمُّوا خذوا ودائعكم. فلا يبقى محب لنا أهل البيت إلَّا دفعت الملائكة إليه صَكاً فيه فكاكه من النار من الرجال والنساء بعوض حبِّ علي بن أبي طالب وفاطمة ابنتي وأولادهما» [مائة منقبة ص166].

6ـ وما رواه ابن شهر آشوب، عن ابن عبَّاس وأنس بن مالك قالا: «بينما رسول الله جالس إذْ جاء علي، فقال: يا علي، ما جاء بك؟ قال: جئتُ أسلِّم عليك، قال: هذا جبرئيل يخبرني أنَّ الله زوَّجك فاطمة وأشهد على تزويجها أربعين ألف ملك، وأوحى الله إلى شجرة طوبى أنْ انثري عليهم الدر والياقوت، فابتدرن إليه الحور العين يلتقطن في أطباق الدر والياقوت وهنَّ يتهادينه بينهنَّ إلى يوم القيامة، وكانوا يتهادون ويقولون: هذه تحفة خير النساء» [مناقب آل أبي طالب ج3 ص123].

وقال (طاب ثراه) أيضاً: (وفي حديث خباب بن الأرت: «أنَّ الله تعالى أوحى إلى جبرئيل: زوِّج النور من النور، وكان الولي الله، والخطيب جبرئيل، والمنادي ميكائيل، والداعي إسرافيل، والناثر عزرائيل، والشهود ملائكة السماوات والأرضين، ثمَّ أوحى إلى شجرة طوبى أنْ انثري ما عليك، فنثرت الدر الأبيض، والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، واللؤلؤ الرطب، فبادرن الحور العين يلتقطن ويهدين بعضهن إلى بعض») [مناقب آل أبي طالب ج3 ص124].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى، كما لا يخفى على المطالِع.

القسم الثاني: روايات العامَّة:

1ـ ما رواه الطبراني وغيره بالإسناد عن سفيان بن عُيينة، عن علي بن علي المكِّي الهلالي، عن أبيه، قال: «دخلتُ على رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) في شكاته التي قبض فيها، فإذا فاطمة (رضي الله عنها) عند رأسه. قال: فبكت حتَّى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) طرفه إليها، فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك. فقال: يا حبيبتي، أما علمتِ أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) اطَّلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبُعث برسالته، ثمَّ اطَّلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إليَّ أنْ أنكحكِ إياه» [المعجم الكبير ج3 ص57، المعجم الأوسط ج6 ص327، معرفة الصحابة ج4 ص1976، تاريخ دمشق ج42 ص130].

ورواه ابن المغازليّ وغيره بالإسناد عن عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الأنصاريّ. [يُنظر: مناقب عليٍّ (عليه السلام) ص159، المعجم الكبير ج4 ص171].

2ـ وما رواه الطبراني أيضاً بالإسناد عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: «إنَّ الله أمرني ‌أنْ ‌أزوِّج ‌فاطمة ‌من ‌عليّ (رضي الله عنهما)» [المعجم الكبير ج10 ص156].

وقال المناوي: (إنَّ الله ‌أمرني ‌أنْ ‌أزوِّج ‌فاطمة ‌الزهراء (رضي الله تعالى عنها) من علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه)، قاله لـمَّا خطبها غيره كأبي بكر وعمر ... فردَّهم وزوَّجه إياها، والمختار أنه زوَّجها في غيبته، فلما جاء أخبره بأنَّ الله أمره بذلك، فقال: رضيت)، ثمَّ قال: (... عن ابن مسعود، قال الهيثمي: رجاله ثقات) [فيض القدير ج2 ص215].

3ـ وما رواه الآجريّ بالإسناد عن الحسن، عن أنس قال: «بينا أنا قاعد عند النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) إذْ غشيه الوحي، فلما سرى عنه قال لي: يا أنس، تدري ما جاءني به جبريل (عليه السلام) من صاحب العرش (عزَّ وجلَّ)؟ قلتُ: بأبي وأمي ما جاءك به جبريل (عليه السلام) من صاحب العرش (عزَّ وجلَّ)؟ قال: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أمرني أنْ أزوِّج فاطمة من علي» [الشريعة ج5 ص2129، تاريخ دمشق ج37 ص13، تلخيص المتشابه في الرسم ج1 ص363، وغيرها.

4ـ وما رواه الخوارزمي بالإسناد عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله لعليّ: «إنَّ الله زوَّجك فاطمة، وجعل صداقها الأرض، فمَن مشى عليها مبغضاً لك، مشى حراماً» [المناقب ص328، الفردوس ج5 ص319].

والنتيجة النهائية من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ زواج الأمير من الصدِّيقة الزهراء (عليهما السلام) كان بأمرٍ من الله تعالى؛ لدلالة الأخبار الكثيرة على ذلك، كما صار واضحاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.