السلام عليك حين تقرأ وتبيّن
السؤال: قد جاء في بعض موارد السلام على الامام الحُجَّة (عجل الله فرجه الشريف) في زيارة آل يس: «السلام عليك حين تقرأ وتُبيّن»، والسؤال: التبيان لمن؟ هل يوجد مع الإمام شخصٌ أو أشخاصٌ يُبيّن لهم ما يقرأهُ؟ أو يُبيّن للمؤمنين الخُلّص عن طريق الإلهام؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
بادئ ذي بدء، من المناسب الإشارة إلى ما تمتاز به (زيارة آل ياسين) من الموقعيّة الخاصّة والمتميّزة من بين سائر زيارات الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه)؛ ذلك أنّها جاءت على لسانه الشريف، فهي تعكس رغبته الخاصّة في أنْ يسجّل أتباعُه وشيعتُه في حضرته القدسيّة حضوراً يستدعي مألوفيّتهم لديه وقربهم عنده، وذلك من خلال عباراتٍ اختارها هو بنفسه الشريفة كيما يزورونه ويخاطبونه بها، وإنّ من أكثر موجبات القرب إلى شخصٍ ما أنْ تخاطبه بما يكون محبوباً عنده ويأنس به، ولاسيّما إذا كانت عبارات الخطاب ساميةً وذات معانٍ قدسيّةـ وقد اختيرت عبارات التسليم في هذه الزيارة بعنايةٍ فائقةٍ؛ لتدلّل على عمق محبّة الشيعة لإمامهم (عليه السلام).
وقد حظيت هذه الزيارة الجليلة باهتمام العلماء فنقلوها في كتبهم، مثل ابن المشهديّ في [المزار الكبير ص566]، والطبرسيّ في [الاحتجاج ج2 ص315]، والسيد ابن طاوس في [مصباح الزائر ص430]، وغيرهم من أعلام الطائفة رفع الله قدرهم، كما حظيت الزيارة بعدّة شروحاتٍ من قبل أهل العلم؛ كالشيخ عليّ الكورانيّ، والشيخ حميد عبد الجليل الوائليّ، والشيخ عليّ مسيبي الأصفهانيّ، وغيرهم.
وقد نبّه الشيخ الكورانيّ على تضمّن هذه الزيارة جملةً من السلامات على الإمام (عجل الله فرجه) في حالاته المختلفة، وهي: «السلام عليك حين تقعد، السلام عليك حين تقوم، السلام عليك حين تقرأ وتبيِّن، السلام عليك حين تصلّي وتقنت، السلام عليك حين تركع وتسجد، السلام عليك حين تكبِّر وتهلّل، السلام عليك حين تحمد وتستغفر، السلام عليك حين تمسي وتصبح، السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى»، وهذه الفقرات ابتكارٌ في عشق الإمام (عليه السلام) في حالاته المختلفة، كالمصوّر الذي يركز اللقطة على حالةٍ خاصةٍ، أو لحظةٍ خاصةٍ، أو كمن يُعجب بمحبوبه في حالةٍ معينةٍ، فيقول له: نفسي فداك عندما تبتسم، أو ما أجملك وأنت تتكلم، أو ما أجمل قامتك، وكم أكون سعيداً بالنظر إليك وأنت واقف.
واستعمل كلمة «حين»، والمعنى: السلام عليك وأنت تقوم بذلك في ذلك الحين [شرح زيارة آل ياسين ص114].
إذا عرفت ذلك، فهلمَّ إلى جواب ما ورد في السؤال، فنقول:
إنّ فقرة: «السلام عليك حين تقرأ وتبيّن» هي تسليمٌ على الإمام عند كونه في حال القراءة وحال التبيين، ومن المعلوم أنّ زمان إمامته (عجّل الله فرجه) ينقسم على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الغيبة الصغرى: والتي امتدّت من حين تولّيه الإمامة سنة (260 هـ) حتّى وفاة السفير الرابع سنة (329 هـ)، وقد كانت حافلةً بتواصل السفراء الأربعة معه (عليه السلام) وتلقّيهم تعاليم الشريعة وبيان الوحي والسنّة الشريفة منه.
وعليه، فالمراد بـ «حين تقرأ وتبيّن» آنذاك هو ما كان يتلوه (عجل الله فرجه) وما كان يبيّنه للسفراء الأربعة، والذين كانوا بدورهم يوصلونها للمؤمنين، وتعـدّ هذه الزيارة من جملة ما بيّنه الإمام (عليه السلام) آنذاك وخرجت على يد السفير الثالث.
المرحلة الثانية: الغيبة الكبرى: وهي التي تمتدّ من حين وفاة السفير الرابع سنة (329 هـ) إلى زمان الظهور المقدّس، والفارق بين الغيبتين هو وجود السفراء كوسائط بين الإمام (عليه السلام) وبين الناس في الغيبة الصغرى وعدم وجودهم في الكبرى، ويبدو أنّ السائل ناظرٌ إلى هذه المرحلة في سؤاله: (التبيان لمن؟ هل يوجد مع الإمام شخصٌ أو أشخاصٌ يُبيّن لهم ما يقرأهُ؟ أو يُبيّن للمؤمنين الخُلّص عن طريق الإلهام؟).
نقول: إنّ التبيان في هذه المرحلة يمكن تصويره بالتنبيه على أمور:
1ـ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو حجّةُ الله على جميع العالمين من الملائكة والجنِّ والإنس والحيوان وغيرهم، وليس على خصوص البشر، فدوره في الهداية والإرشاد شاملٌ للخلق جميعهم. ومن الواضح أنّ استتار الحُجَّة (عجل الله فرجه) عن الناس لا يعني استتاره عن سائر خلق الله تعالى، فيصحّ حينئذٍ إطلاق «السلام عليك حين تقرأ وتبيّن» مع كون المبيَّن لهم غير البشر.
2ـ غيبة الإمام الحُجَّة (عجل الله فرجه) هي غيبة عنوانٍ وهويّةٍ، لا غيبة ذات – كما دلّت الروايات الشريفة -، فإنّه يشهد موسم الحجّ، ويرى الناس ويرونه ولكن لا يعرفونه، أي أنّه يخالط الناس ويعاملهم غير أنّهم لا يعرفون أنّه الحُجَّة ابن الحسن (عليهما السلام).
وبناءً على هذا، لا مانع أنْ يكون بيانُ الإمام (عليه السلام) لبعض الناس مع عدم علمهم بأنّه الحُجَّة، بل إنّ أخبار التشرّفات مشتهرةٌ عن بعض الأُحدان، وهي تتضمّن فوائد جليلةً مستقاةً من منبع العصمة (عليه السلام).
3ـ للإمام الحُجَّة (عجل الله فرجه) في زمن الغيبة الكبرى موالون مختصّون به، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرةٌ والأخرى طويلةٌ، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه» [الكافي ج1 ص340]، ويحتمل أنّ المراد بـ (خاصّة مواليه) هم خدمه وأهله المحيطون به أو حواريّوه وأصفياؤه، ولعلّهم الثلاثون المقصودون في حديثه الآخر (عليه السلام): «لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبةٍ، ولا بدّ في غيبته من عزلة، ونعم المنزلُ طيبة، وما بثلاثين من وحشة» [المصدر السابق].
وبناءً على هذا، يمكن أنْ يُراد بالتبيين هو التبيين لهؤلاء الثلاثين أو لخاصّة مواليه.
إذن: فكرة تبيين الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى ليست منافيةً لمفهوم الغيبة، بل هي معقولةٌ، بل واقعةٌ بلا شكّ.
المرحلة الثالثة: الظهور المقدّس وما بعده: حيث يكون الإمام (عليه السلام) ظاهراً في ذلك الوقت، فيكون من أولويّاته إظهار الشريعة وبيان أحكامها للناس بلا شكّ؛ سواءٌ بشكلٍ مباشرٍ أو عن طريق وكلائه. قال الشيخ الكورانيّ: (ومعنى: «السلام عليك حين تقرأ وتُبيِّن»: أي حين تقرأ القرآن وتُبينّه للناس، وتُبيّن لهم سنَّة جدّك (صلّى الله عليه وآله). والمقصود عندما يظهر (عليه السلام)؛ لأنَّه في غيبته لم يبيّن لكلّ الناس) [شرح زيارة آل ياسين ص116].
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق