هل التوسل يناقض التوحيد؟
السؤال: هناك انفصال بين أقوال الشيعة وأفعالهم، ترى مثل الخوئيّ يقول: (المؤمن لا يعبد غير الله، ولا يستعين إلَّا به، فإنَّ غير الله - أيَّاً كان - محتاجٌ إلى الله في جميع شؤونه وأطواره، والمعبود لا بُدَّ وأنْ يكون غنياً، وكيف يعبد الفقير فقيراً مثله؟! وعلى الجملة، الإيمان بالله يقتضي أنْ لا يعبد الانسان أحداً سواه، ولا يسأل حاجته إلَّا منه، ولا يتكل إلَّا عليه، ولا يستعين إَّلا به، وإلَّا فقد أشرك بالله وحكم في سلطانه غيره)، ثم تراهم يقولون: يا عليُّ وحسينُ، أعطني او اشفني او ارزقني وهكذا... شيزوفرينيا!.
الجواب:
هذا الادّعاء كثيراً ما يردّده بعضُ الخصوم من دون أنْ يتبيّنوا حقيقة العقيدة الشيعيّة، أو يفرّقوا بين العبادة والتوسّل، وبين الطلب المباشر من الله والطلب منه عبر أوليائه، وبين الاعتقاد بأنّ الله هو الفاعل الحقيقيّ لكلِّ شيء، وبين استخدام الوسائط التي شرّعها الله وارتضاها.
ومع أنّنا قد تعرضنا في أجوبةٍ سابقةٍ لإشكالاتٍ مشابهةٍ، إلّا أنّ استمرار طرح هذه الشبهة يدلّ على أنّ الصورة لا تزال غير واضحةٍ عند البعض؛ ولذلك سيطول هذا الجواب قليلاً هذه المرّة؛ حرصاً على بيان الحقّ بدقّة، فنقول:
الشيعة يؤمنون – كما هو واضحٌ من كلام السيد الخوئيّ – أنّ العبادة لا تكون إلّا لله وحده لا شريك له، وأّن كلّ مخلوقٍ محتاجٌ إلى الله، فلا يجوز عبادة المخلوق، ولا الاتّكال عليه استقلالاً، ولا جعله ندّاً لله عزّ وجلّ.
وهذا أصلٌ عقديٌّ لا نقاش فيه عند علماء الشيعة، بل مَن ينكره لا يُعدّ من أهل الإيمان، وهذا المبدأ هو ما عبّر عنه السيّد الخوئيّ بوضوح.
المشكلة في هذا الإشكال أنّه يخلط بين العبادة – التي قوامها الخضوع والتذلّل أو الطلب المصحوب بالاعتقاد بالألوهيّة أو الربوبيّة، أو بكون المطلوب منه مستقلّاً في فعله أو في بعض فعله عن الله تعالى – وبين التوجّه إلى الله تعالى بواسطة وسيلةٍ أو شفيعٍٍ مع الاعتقاد الجازم بأنّ الوسيلة لا حول لها ولا قوّة إلّا بالله.
فكلّ مَن خضع أو تذلّل أو طلب شيئاً – صغيراً كان أو كبيراً – على أساس اعتقاد الاستقلال فقد وقع في الشرك لا محالة، وأمّا مَن توجّه إلى الله عبر وسيلةٍ مأذونةٍ منه، ولم يرَ في الوسيلة أثراً مستقلّاً، فليس في فعله شركٌ البتّة.
فعندما يقول الشيعيُّ: (يا عليُّ أدركني)، أو (يا حسينُ اشفعْ لي)، فهو لا يقول بأنّ علياً أو الحسين يرزقانِ أو يشفيانِ أو يغفرانِ استقلالاً من دون الله تعالى، وإنّما يرى أنّ هذين وليَّان صالحان، أحبّهما الله وأكرمهما، وأنّ الله يكرم مَن يتوسّل بهم ويجعلهم شفعاء عنده، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]، فأمر الله تعالى المؤمنين بابتغاء الوسيلة إليه، أي طلب القرب من الله بوسائط يحبّها، وهذا ما يُسمى التوسّل.
وقد ورد التوسّل في سيرة النبيّ (ص) وأصحابه، فقد علّم النبيّ (ص) الأعمى أنْ يتوسّل به إلى الله فيقول: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة...» كما في الحديث المعروف في السنن والمسانيد وهو صحيح السند، وقد تناوله ابن تيمية في [مجموع الفتاوى ج1 ص264].
ويبدو أنّ المفتاح لفهم الفرق بين التوسّل والشرك، وبين التوحيد الحقّ والتوحيد المتوهّم، يكمن في فهم معنى قوله تعالى: {مِن دُونِهِ}، وهو تعبيرٌ قرآنيٌّ محوريٌّ يتكرّر في سياق التحذير من الشرك وعبادة غير الله.
ولكي نحلَّ هذه الإشكاليّة بشكلٍ دقيقٍ، لا بدّ أنْ نتأمّل في هذا التعبير من جهتين: لغويّاً وقرآنيّاً، ثم نُسقطه على مسألة التوسل:
أوّلاً: من الناحية اللغويَّة، فإنَّ (من دونه) تعني: من غيره وباستقلالٍ عنه، أي في حالة يكون فيها الشيء الآخر بديلاً أو ندّاً لله، يُلجأ إليه بدلاً من الله، أو يُعتقد فيه أنّه يملك من دون الله، أو يُعبد كاستغناء عن الله. فمثلاً، عندما يقول المشرك (نعبد الأصنام لتقرّبنا إلى الله)، فهو يتّخذها من دون الله، أي أنّه يفترض أنّ لها قدرةً مستقلّةً على القرب أو الشفاعة بلا إذنٍ أو مشيئةٍ من الله.
وثانياً: من الناحية القرآنيَّة، كلّ الموارد التي ورد فيها التحذير من اتخاذ شركاء (من دون الله)، جاءت لتصف حالاتٍ يُمنح فيها الغير خصائص الربوبيّة أو الألوهيّة أو الاستقلال في التصرّف، كما في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ} [يونس: 18]، أيْ: يتوجّهون إليهم بالعبادة مع أنّهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً. وكذلك قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]، أيْ: أنّهم أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فجعلوهم مشرّعين بدلاً عن الله.
فهذه النصوص لا تتناول حالات طلب الدعاء أو الشفاعة بإذن الله، بل تتناول الإشراك بمنح الاستقلال أو اتّخاذ الأنداد، وهذا هو الذي يسمى اتخاذهم (من دونه).
وثالثاً: إذا طبقنا هذا الفهم على سلوك الشيعة، نلاحظ أنّهم لا يتّخذون أحداً (من دون الله)، فهم لا يعتقدون أنّ عليّاً أو الحسين أو الزهراء يرزقون أو يشفون أو يملكون شيئاً لأنفسهم أو لغيرهم استقلالاً، بل يعتقدون أنّ الله وحده هو الفاعل الحقيقيّ، وأنّ هؤلاء عبادٌ مكرمون لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً إلّا ما شاء الله، كما قال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 188]. فـ {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} يمثّل الاستثناء الذي تقع فيه دائرة الإذن، بشرط عدم الاعتقاد بأنّهم يملكون من أنفسهم نفعاً أو ضرّاً.
فإذا قال أحدهم: (يا عليّ، اشفني)، فهو مشابهٌ لمن يقول: (يا طبيب، اشفني) أو يقول: (يا فلان، أنقذني أو أدركني)، فهو لا يعتقد حتماً في كون الطبيب له سلطةٌ مستقلّةٌ في الشفاء، أو أنّ فلاناً له قدرةً ذاتيّةً في الإنقاذ أو الإدراك، وإنّما يتعامل معه بصفته وسيلةً جعلها الله لتحقيق المراد.
وهذا النوع من الخطاب مقبولٌ في العرف، ولا أحد يتّهم المريض بالشرك لأنّه قال للطبيب (اشفني)؛ لأنّ النيّة مفهومة، والمجتمع بأسره يفرّق بين القول اللسانيّ وبين الاعتقاد القلبيّ، ويعلم أنّ الطلب كان مبنيّاً على السببيّة، لا الألوهيّة. فمَن يقول: (يا عليُّ، اشفني)، فهو يقصد: (يا عليُّ، كن سبباً في شفائي بتوسّلي بك إلى الله)، ولا يعتقد بأنّ عليّاً يشفي من تلقاء نفسه أو يملك الشفاء، ومن هنا لا يكون اتخاذاً (من دون الله)، بل هو اتّخاذٌ بإذن الله، وبأمر الله، وتحت سلطان الله، كما قال تعالى عن الملائكة: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28].
وهذا الفرق الدقيق هو الذي غفل عنه كثيرٌ من المتسرّعين الذين خلطوا بين (دعاء من دون الله) وبين (دعاء الله عبر وسائطه)، وبين (عبادة غير الله) وبين (التوسل إلى الله بأحبّ خلقه).
إذن: الفرق الجوهريّ بين الطلب المشروع والطلب الشركيّ هو في الاعتقاد بالاستقلال والتفويض، فإنْ اعتقد الطالب أنّ المطلوب منه يملك ذلك من دون الله فقد أشرك، وأمّا إذا اعتقد أنّه وسيلةٌ وقد جعل الله له مقاماً رفيعاً يقبل به الدعاء أو يقضي به الحوائج، فهو باقٍ ضمن إطار التوحيد، وليس من اتّخاذ (أرباب من دون الله).
ويبدو أنَّ الإشكال الرئيس في موقف بعض الوهابّية من التوسّل، هو أنّهم يخلطون بين جوهر الاعتقاد ومظهر الوسيلة، فيجعلون معيار القبول والرفض هو طبيعة الوسيط، لا الاعتقاد المرتبط به.
فهم يقبلون التوسّل بالأحياء لأنّه يدخل ـ بحسب تصورهم ـ في دائرة (الوسائل الحسيّة)، بينما يرفضون التوسّل بالأموات لأنّه يتعلّق عندهم في أمورٍ غيبيّةٍ لا يقدر عليها إلّا الله.
وكأنَّ المسألة متعلّقةٌ بمظهر الوسيط، لا بحقيقة الموقف الإيمانيّ منها، وهذا خلطٌ جوهريٌّ يجب رفعه بوضوح.
فالمشكلة الحقيقيّة لا تكمن في كون الوسيلة ماديّةً أو غير ماديّة، حسيّةً أو غيبيّةً، بل في نوع التعلّق والاعتقاد بها. فإنّ مَن يعتقد بأنّ الوسيلة – سواء أكانت طبيباً أو دواءً – تملك التأثير على نحو الاستقلال عن الله، فهو مشركٌ لا محالة، حتّى لو كانت هذه الوسيلة ماديّةً بحتة؛ وقد قال تعالى: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}، فإذا اعتقد أحدٌ أنّ التوفيق أو الشفاء أو الرزق يأتي من غير الله، حتّى عبر الوسائل الطبيعيّة، فقد وقع في الشرك؛ لأنّ مناط التوحيد ليس في طبيعة الوسيلة، بل في الاعتقاد بأنّ الفاعل الحقيقيّ والمؤثّر هو الله وحده لا شريك له.
ومن هنا، فإذا كان الميت – بحسب زعمهم – لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، فإنّ الحيّ أيضاً لا يملك لنفسه ذلك على نحو الاستقلال. بل إنّ الحي لا يستطيع أن ينفع أو يضرّ إلّا في حدود الأسباب والمسبّبات التي أودعها الله في هذا الكون، فإذا كان الله قد منح الأسباب الماديّة قدرةً على التأثير، وجعل للإنسان الحي وسيلةً للاستعانة بها، فهل يُستبعد أنْ يمنح الله بعض عباده من الأنبياء والأولياء مقاماً روحيّاً يكونون فيه سبباً غيبيّاً لإجابة الدعاء أو قضاء الحاجة بإذنه؟
إنّ الفرق بين الوسيلة الماديّة والحسيّة، وبين الوسيلة الغيبيّة والبرزخيّة، ليس هو المعيار في التوحيد والشرك، بل المعيار هو الاعتقاد القلبيّ؛ فمَن يعتقد أنّ الوسيلة مؤثّرةٌ بذاتها ولها استقلاليّة، فهو مشركٌ، سواءٌ كانت حيّةً أو ميتةً، ماديّة أو غيبيّة. وأمّا مَن يعتقد أنّ التأثير للوسيلة بإذن الله وقدرته، فهي وسيلةٌ مشروعةٌ ولا تتنافى مع التوحيد.
ولهذا، فإنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) حين أوصى بزيارة قبور الشهداء والأنبياء، وبيّن أنّ الأرض لا تأكل أجسادهم، وأخبر أنّهم أحياءٌ عند ربهم يُرزَقون، لم يجعل من الموت حاجزاً يحول دون التوسّل بهم، بل أقرّ الأمّة على ذلك عمليّاً من خلال سنّته وسيرة أصحابه، ومن خلال النصوص التي لم تفرّق بين حال الحياة والموت في طلب الشفاعة منه. فالله تعالى يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ}، ولم يقيّد هذا المجيء بكون النبيّ حيّاً أو حاضراً، ممّا يدلّ على دوام مقامه (الشافع) حتّى بعد وفاته.
وليس في الشرع ولا في العقل ما يمنع أنْ يجعل الله لبعض عباده قدرةً على التأثير في العالم الغيبيّ بإذنه، سواء كانوا في الدنيا أو في عالم البرزخ. فكما أنّ الملائكة تباشر شؤون الخلق بالدعاء والاستغفار والإنزال، كما أنّ جبرائيل كان ينزل بالوحي، كذلك يمكن أنْ يجعل الله للأولياء مقاماً يُستجَاب فيه الدعاء عندهم، ويُرجَى منه الخير ببركتهم وشفاعتهم.
وبذلك يتبيّن أنّ التفرقة بين الوسائل الحسيّة والمجرّدة من الحسّ لا قيمة لها في ذاتها، وأنّ مناط التوحيد هو الاعتقاد بأنّ الله وحده هو المؤثّر الحقيقيّ، وما سواه من الوسائل – ماديّةً كانت أو غيبيّةً – لا تعمل إلّا بإذنه؛ فلا فرق جوهريّ بين أن يتوسّل الإنسان بطبيبٍ حيّ، أو بنبيٍّ في عالم البرزخ، ما دام يرى أنّ الله وحده هو الذي يُعطي ويمنع ويشفي ويقضي الحاجات.
وقبل أنْ نختم الاجابة لا بدّ أنْ نشير إلى أنّ بعض الناس قد يتّفقون مع كلّ ما طرحناه من تفرقةٍ بين العبادة والتوسّل، وبين الفاعل الحقيقيّ وهو الله تعالى وبين استخدام الوسائل المأذونة شرعاً، لكن يبقى لديهم سؤال مهم:
لماذا لا تدعون الله مباشرة؟ ولماذا تتعمدون جعل وسيلةٍ في الدعاء؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إنّ قولنا: (يا عليُّ) أو (يا حسينُ) لا يعني أنّنا دعونا غير الله، أو أنّنا صرفنا الدعاء لغيره، أو أنّنا لم ندعه بشكلٍ مباشرٍ، بل الحقيقة أنّ التوسّل لا يغيّر من جوهر الدعاء شيئاً، فالدعاء لا يزال موجّهاً إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن عبر وسيلةٍ تقرّب إليه. فحين نقول (يا عليُّ)، فنحن لا نطلب من عليٍّ (عليه السلام) شيئاً بالاستقلال، بل نطلب من الله سبحانه وتعالى، ولكن ببركة وليٍّ من أوليائه، فهذا هو التوسّل المشروع.
ولكي يتّضح الأمر أكثر، نضرب لذلك مثالاً: إذا غرق إنسانٌ في البحر ونادى: (يا فلان، أنقذني)، هل يكون قد دعاء غير الله أو أنَّه خالف قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}؟
لا، وبالتأكيد ما دام يعتقد أنّ المنقذ لا يملك قدرةً ذاتيّةً مستقلّةً عن الله، وإنّما أقدره الله سبحانه ومكّنه في هذا الموضع، فإنّ نداءه لذلك الشخص هو في حقيقته استغاثةٌ بالله عبر واسطةٍ ماديّةٍ.
وهكذا، فإنّنا عندما نتوسّل بالنبيّ أو الإمام أو الوليّ، لا نطلب منهم قضاء الحاجة بأنفسهم، وإنّما نطلب من الله تعالى قضاءها ببركتهم ومكانتهم عنده، وهم وسيلتنا إليه، لا شركاء معه.
فالتوسّل بهذا المعنى لا يتناقض مع الدعاء المباشر إلى الله، بل هو تعبيرٌ آخر عن التوجّه إليه من خلال الأبواب التي فتحها لعباده.
ويبقى السؤال: أيّهما أفضل، الدعاء المباشر أم الدعاء عبر وسيلة؟
وللجواب نقول: إنّ الدعاء في أصله لا يكون إلّا عبر اّتخاذ وسيلة؛ لأنّ الدعاء نفسه وسيلة، وذكر أسماء الله الحسنى أيضاً وسيلة؛ إذ إنّ الأسماء غير المسمّى، وهي من الوسائل التي أمرنا الله بها في قوله: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]. بل إنّ الدين بجميع تفاصيله، منذ بدء الوحي، وإرسال الملك، وبعث الأنبياء، وتبليغ الرسالات، هو منظومةٌ من الوسائل التي جعلها الله طريقاً بين العبد وربّه، ففكرة الوساطة ليست طارئةً ولا دخيلةً، بل هي في صلب العقيدة والتشريع، وتفصيل هذا المعنى يفتح أفقاً أوسع يحتاج إلى مساحةٍ أخرى.
فكما أنّ مَن يتوسّل بالطبيب طلباً للشفاء، في الواقع هو يطلب الشفاء من الله؛ لأنّ الطبيب نفسه لا يملك الشفاء إلّا بتوفيق الله ورعايته.
فالتوسل هنا تعبيرٌ عن الاعتماد على الله في إتمام الأمر، سواء تمّ ذكر الوسيلة أم لا. وبالتالي، الدعاء هو في جوهره دعاءٌ مباشرٌ لله تعالى، والمقصود من التوسّل هو تقوية هذه العلاقة بالله، ولا يعني أنّ الدعاء موجَّهٌ إلى غيره.
وفي المحصّلة، فإنّ وصف دعاء أولياء الله وطلب الوسيلة منهم بـ(الشيزوفرينيا) هو نوعٌ من السخريّة غير المبرَّرة؛ لأنّ التناقض لا يكون بين القول بالتوحيد والعمل بالتوسّل إذا فُهِم كلٌّ منهما على حقيقته، فالتوحيد هو الإيمان بأنّ الله هو الفاعل الحقيقيّ، والتوسّل هو التوجّه إلى الله بوسيلةٍ مأذونةٍ، لا الاستعانة بغيره على نحو الاستقلال.
كما أنّ وصف الملايين من المؤمنين بهذا الوصف لمجرّد اختلافهم في المذهب، هو تهرّبٌ من الفهم الموضوعيّ، ولجوءٌ إلى لغة التهكّم والاستهزاء التي لا تليق بسياق النقاش العقائديّ.
وعليه، لا يوجد أيّ ُانفصامٍ بين قول الشيعة بتوحيد الله في العبادة وبين توسّلاتهم بأهل البيت (عليهم السلام)، لأنّهم يفرّقون بين الفاعل الحقيقيّ - وهو الله تعالى - وبين الوسيلة إلى الله، وهم عباده المكرّمون، الذين لا يملكون لأنفسهم شيئاً من دون الله، وإنّما يتوجّه إليهم الشيعة كما أمر القرآن الكريم بابتغاء الوسيلة إليه.
اترك تعليق