هل يمكن للعقل المحدود أنْ يدرك تعاليم خالقٍ غير محدود؟
السؤال: كيف يمكن للعقل البشريّ - بكلّ محدوديته - أنْ يقيس (الحقيقة المطلقة) لخالقٍ يفترض أنّه لا محدود؟ إذا كنتُ أستدلُّ على (وجود الخالق) عبر المنطق الكونيّ، كسببٍ أول، فكيف أستدلُّ على (تعاليمه) دون أنْ أقع في فخ الانحياز الثقافيّ أو التأويل البشريّ؟
الجواب:
هذا الإشكال يتكوّن من شقّين مترابطين: الأول: يتعلّق بحدود العقل البشريّ في إدراك الحقيقة المطلقة، والآخر: يتعلّق بكيفية الوثوق بتعاليم الخالق دون الوقوع في فخ الانحياز أو التأويلات.
وسنجيب عليهما بشكلٍ متسلسلٍ ومترابطٍ ومنهجيٍّ فنقول:
أولاً: حدود العقل وإمكان المعرفة:
صحيح أنّ العقل البشريّ محدود، لكنّ محدوديّة العقل لا تعني عجزه التام عن إدراك الحقائق، بل تعني أنَّ له مجالاً معيناً يستطيع العمل فيه، وحدوداً لا يمكنه تجاوزها بدون واسطة.
فالعقل قادرٌ على إدراك وجود المطلق عبر الاستدلال، لكنه لا يدّعي الإحاطة بجوهر هذا المطلق، فكما أن الإنسان يدرك بالاستدلال وجود (اللانهاية) في الرياضيات دون أنْ يحيط بها، كذلك يدرك وجود خالقٍ لا محدود من خلال آثار فعله في الكون دون أنْ يحيط بكُنهه.
وهذه ليست مغالطة، بل قاعدةٌ فلسفيةٌ ومنطقيةٌ عميقةٌ: «الإدراك لا يعني الإحاطة». فنحن ندرك وجود أشياء كثيرةٍ في الطبيعة - مثل الجاذبيَّة أو الطاقة - من خلال آثارها، مع أننا لا نعرف حقيقتها في ذاتها. فإذا كان هذا ممكناً في الظواهر الطبيعية، فهو أولى في القضايا الميتافيزيقيَّة مثل وجود الخالق؛ لأنَّ الخالق لا يخضع للتجريب الحسيّ المباشر، بل يُستدلُّ عليه بعقلٍ أُعدّ أصلاً لإدراك الغايات والمعاني الكليَّة، لا مجرد الظواهر الجزئيَّة.
إضافةً إلى أنَّ آثار فعله أعظم وأشمل وأوضح في النظام الكونيّ، فكلما عظُمت الآثار واتسعت، كان الاستدلال على فاعلها أقوى وأولى.
وثانياً: إمكانية الاستدلال على التعاليم الإلهيَّة:
إذا ثبت لنا وجود خالقٍ حكيمٍ قديرٍ، فمن الطبيعيّ أنْ نتوقع أنْ هذا الخالق لم يخلق الإنسان عبثاً، بل جعل له غاية، وهذه الغاية لا بد أنْ تُبلَّغ له بطريقةْ تتناسب مع قابلياته، وهنا يأتي دور (الرسالة الإلهيَّة).
وقد طرح هذا المعنى الإمام الصادق (عليه السلام) في حواره مع أحد الزنادقة، حين سأله: من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ فأجابه (عليه السلام): «إنه لـمّا أثبتنا أنَّ لنا خالقاً صانعاً متعاليَّاً عنَّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعاليَّاً لم يجز أنْ يشاهده خلقه، ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشرو[ن]ه، ويحاجّهم ويحاجُّو[ن]ه، ثبت أنَّ له سفراء في خلقه، يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفى تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبّرون عنه (جلَّ وعزَّ)، وهم الأنبياء (عليهم السلام) وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شيءٍ من أحوالهم، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كلّ دهرٍ وزمانٍ ممَّا أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علمٌ يدلُّ على صدق مقالته وجواز عدالته» [الكافي ج1 ص168].
فالرواية هنا تقدم استدلالاً عقليَّاً متيناً على ضرورة النبوَّة، يستند إلى بُعدَين: تنزيه الخالق عن المشاهدة والمباشرة، وحاجة الإنسان إلى من يبلّغه مصالحه ومنافعه بتفويضٍ إلهيٍّ موثوق، وهو ما يُبرز أنَّ الرسالة ليست أمراً اعتباطياً، بل ضرورةٌ عقليّةٌ تقتضيها حكمة الخالق ورعاية خلقه.
ـ لكن كيف نميّز التعاليم الإلهية الحقيقيَّة من المزاعم الكاذبة أو التأويلات البشريَّة؟
الجواب يكمن في منهج التمييز العقليّ والموضوعيّ، وهو ما يمكن تلخيصه في عدة نقاط:
1ـ التحقق من صدق النبوة:
النبوة لا تُدّعى جزافاً، بل تحتاج إلى دليلٍ يُثبت أنَّ هذا الإنسان متصلٌ بالعالم الغيبيّ. القرآن الكريم – على سبيل المثال – يقدّم تحدياً إعجازيَّاً في اللغة والمعنى والنظم والتأثير التاريخيّ، كما يقدّم مثالاً لشخصية النبيّ الذي جاء به، وسياقات نزوله، وحمولته التشريعيَّة والفكريَّة. كلُّ ذلك قابلٌ للتحقيق والدراسة، ولا يعتمد على التسليم الأعمى.
2ـ عقلانيَّة التعاليم:
التعاليم الإلهيَّة ينبغي أنْ تكون منسجمةً مع الفطرة والعقل السليم. الإسلام – كمثالٍ – يربط بين الإيمان والعقل، ويمنع التقليد الأعمى، ويحثُّ على التفكير والتدبر في نصوصه.
وهذا ما يجعلنا نميّز بين التعاليم الإلهيَّة الأصلية، وبين الانحرافات أو التأويلات التي طالت بعض الأديان بسبب تدخل البشر وتحريف النصوص أو تغييب العقل.
3ـ التحصين ضد الانحياز الثقافيّ:
الإنسان قد يولد في بيئةٍ معينةٍ، لكن يمكنه تجاوز حدود هذه البيئة بالبحث الحر، ووجود انحيازٍ ما لا يعني سقوط الحقيقة، بل يدعونا للبحث عن (معايير موضوعيَّة)، مثل انسجام الدين مع العقل، مع الفطرة، مع القيم الإنسانيَّة العليا، ومع قابلية النظام الدينيّ لتقديم حلولٍ واقعيَّةٍ لمشكلات الإنسان الوجودية والأخلاقيَّة.
4ـ التمييز بين الوحي والتأويل:
من الأخطاء الشائعة الخلط بين حقيقة التعاليم الإلهيَّة وبين ما يصدر من تأويلاتٍ بشريَّةٍ لها، قد تصيب أو تخطئ. فالإسلام نفسه يضع هذا التمييز في صميم منهجيته، إذ يُفرّق بوضوح بين (الوحي الإلهيّ) بوصفه نصَّاً مقدَّساً، وبين (فهم الإنسان) لهذا النص، وهو الفهم الذي يظلّ خاضعاً لحدود اللغة والثقافة وزاوية النظر، ومن هنا نشأ الاجتهاد كضرورةٍ عقليَّةٍ وشرعيَّةٍ، لا بوصفه عبثاً تأويليَّاً، بل باعتباره سعياً لفهم النص وفق ضوابط محددة: من معرفة المحكم والمتشابه، إلى فهم السياق، واستعمال القرائن، والرجوع إلى أهل الخبرة والعدالة في العلم.
إنَّ مسؤولية الباحث ليست في رفض الدين بسبب ما يراه من انحرافاتٍ في الفهم أو في التطبيق، بل في التمييز بين الأصل الإلهيّ وبين ما قد يطرأ عليه من تأويلاتٍ بشريَّةٍ قاصرةٍ، فليس من العدل أن يُختزل الدين في أسوأ ما نُسب إليه، بل العدل أنْ يُفهم كما أراده خالقه، لا كما شوّهته بعض الأفهام. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].
وثالثاً: الدور التكامليُّ بين العقل والوحي:
العقل لا يتنافى مع الوحي، بل يُكمّل أحدهما الآخر. فالعقل هو ما يُمكّن الإنسان من إدراك الحاجة إلى الوحي، ومن التحقق من صدق مصدره، ومن فهمه وتأويله. أما الوحي، فيمدّ العقل بما لا يستطيع الوصول إليه بمفرده، وخاصة في مجالات الغيب والعبادة والغاية الوجوديَّة؛ ولهذا، فإن الجمع بين العقل والنقل هو ما يحقق التوازن، ويجنب الإنسان الوقوع في التطرف بين العقلانيَّة المنقطعة عن الوحي، أو التقليديَّة المنفصلة عن العقل.
وفي المحصلة، محدودية العقل لا تمنعه من إدراك وجود الخالق، ولا من التحقق من صدق وحيه، بل تدفعه إلى طلب الهداية من مصدرٍ أعلى، والوحي الإلهيُّ لا يناقض العقل، بل يستنهضه، ويقدّم له الهدي الذي يعجز عن الوصول إليه بمفرده.
أما التأويلات البشريَّة والانحيازات الثقافيَّة، فهي أمرٌ واقعٌ لا يمكن نفيه، لكنَّه لا تُسقط الحقيقة، بل يدعونا إلى مزيدٍ من التحقيق والنقد والبحث الموضوعيِّ المتجرد.
اترك تعليق