هل شموليَّة الإسلام تمسخ الإنسان؟
السؤال: لماذا يختلف الدين الإسلاميّ عن باقي الأديان؟ أغلب الأديان تركّز على الجانب الروحيّ للإنسان فقط، أما الإسلام فلا يكتفي بالجانب الروحيّ، بل يتدخَّل في معظم تفاصيل حياة الفرد المسلم: أكله وشربه، ملبسه، أمواله، سلوكيَّاته، إلخ. ولا يوجد دينٌ يضاهي الدين الإسلاميّ في مستوى التدخُّل في حياة الإنسان. يرى المسلمون أنَّ هذا شيءٌ جيدٌ في الإسلام، كونه يغطّي جميع الجوانب المتعلّقة بالفرد، ويعتبرونه ميزةً فريدةً لدينهم، إلَّا أنَّ الحقيقة - في نظر البعض - أنَّ هذا أمرٌ سيئٌ جداً؛ فالتدخُّل الزائد للدين يمسخ شخصية الفرد، ويمحو ذاته وفرديَّته وحتى عقله، فيصبح مجرد دُميَةٍ مسيّرَةٍ بلا عقلٍ ولا رأي، وكلُّ شيءٍ يُحدَّد له مسبقاً من قبل الدين.
الجواب:
إنّ القول بأنّ الإسلام يتدخّل في كلّ تفاصيل حياة الإنسان ويتحكّم في حريّته يغفل عن حقيقةٍ جوهريّةٍ في بنيته التشريعيّة، وهي أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأشياء الطهارة، وهذان الأصلان يعكسان نظرة الإسلام المنفتحة إلى الحياة؛ إذ لا يُحرّم ولا يُقيّد إلّا ما فيه ضررٌ أو مفسدةٌ أو مخالفةٌ للقيم العُليا. وما يُظَنّ أنّه تدخُّلٌ صارمٌ في كلّ شيءٍ هو في حقيقته توجيهٌ أخلاقيٌّ ينطلق من رؤيةٍ شاملةٍ لطبيعة الإنسان واحتياجاته وموقعه في الحياة.
ومن هنا تنطلق المعالجة في هذا الموضوع عبر ثلاث نقاط: أولاً: تفنيد الزعم بأنّ الإسلام يتفرّد بهذا المستوى من التفصيل، وثانياً: بيان الحكمة من شموليَّة التوجيه الإسلاميّ، وثالثاً: الردّ على الادّعاء بأنّ هذا الشمول يلغي شخصيّة الإنسان وعقله.
(أولاً): القول إنّ أغلب الأديان تركّز على (الجانب الروحيّ فقط)، بينما الإسلام يتدخّل في جميع تفاصيل الحياة، هو تبسيطٌ مُخلٌّ وغير دقيقٍ من ناحية المقارنة الدينيَّة، فالكثير من الأديان القديمة والحديثة – كالهندوسيّة واليهوديّة على سبيل المثال – لها نُظُمها الحياتيّة اليوميّة، ففي الديانة اليهوديّة الأرثوذكسيّة، هناك نظامٌ صارمٌ في الطعام واللباس والطقوس اليوميّة ومواقيت الصلاة وقوانين النكاح والطهارة، كذلك نجد في الطاوية والبوذيّة طقوساً دقيقةً في الأكل والجلوس والتأمّل وطرق الكلام وحتّى طريقة السير. فالدين عموماً، - وبالخصوص إذا كان فاعلاً في ضمير أتباعه - لا ينحصر في الروحيّات المجرّدة، بل يسعى لتنظيم حياة الإنسان ضمن رؤيته للخير والكمال.
و(ثانياً): الإسلام ينطلق من تصوّرٍ شاملٍ عن الإنسان، باعتباره كائناً مركّباً من عقلٍ وجسدٍ وروحٍ، ومن ثَمَّ فإنّ الدين لا يمكن أنْ يكون كاملاً أو ملبّياً لحاجات الإنسان إذا اقتصر على تزويده بـ (التأمّلات الروحيّة) وترك واقعَهُ العمليَّ فوضويّاً أو خاضعاً لمعايير السوق أو الأهواء؛ لهذا فإنّ تدخّلَ الإسلام في تفاصيل الحياة ليس تدخُّلاً تعسّفيّاً، بل هو هندسةٌ حياتيّةٌ تهدف إلى إقامة التوازن بين الأبعاد المختلفة في شخصية الإنسان.
فحين يضع الإسلام أحكاماً للطعام والشراب، فذلك لا يعني أنّه يريد التحكّم في شهيّة الإنسان، بل يسعى لتوجيهه نحو طعامٍ صحيٍّ نظيفٍ غير محرّمٍ من جهةٍ أخلاقيّة - مثل أكل المال بالباطل، أو الاعتداء على حقوق الحيوان أو الإنسان -، ويعزّز فيه ضبط النفس، والشعور بالمسؤوليّة.
وعندما يرسم نمطاً للباس، فهو لا يفرض لوناً أو شكلاً محدّداً بقدر ما يضع حدوداً أخلاقيّة تتعلّق بالستر والحياء والهويّة.
وإذا تدخّل في المعاملات الماليّة، فهو يضع حدّاً للجشع والاحتكار والربا والظلم، وهو ما تسعى إليه اليوم المدارس الاقتصاديّة الحديثة عبر قوانين معقَّدة، لكنّها تفتقر أحياناً إلى المنظور القِيَميّ.
و(ثالثاً): الافتراض بأنّ (التدخّل الدينيّ يمحو الذات والعقل) فهمٌ مغلوطٌ لطبيعة الالتزام الدينيّ. فالالتزام لا يعني التعطيل، بل التفعيل، فالعقل في الإسلام ليس معطّلاً، بل هو أساس التكليف، ومن هنا كانت أوّل آيةٍ في القرآن تبدأ بالأمر بالقراءة، وتوالت عشرات الآيات التي تدعو الإنسان إلى (التفكّر)، و(التعقّل)، و(التدبّر)، و(النظر)، و(السير في الأرض)، فالإسلام لا يريد من الإنسان أنْ يكون آلةً مطيعةً، بل أنْ يعي ما يفعله، ويختاره على علمٍ وبصيرةٍ، وحتّى في التكاليف، نجد الإسلام لا يرضى بالإيمان الموروث أو التقليديّ، بل يرفضه حين يكون مجرّد تبعيّةٍ عمياء.
كما أنّ القول بأنّ الإسلام يجعل الإنسان (دُميةً)، يتجاهل حقيقة أنّ كثيراً من العظماء والمصلحين الذين قادوا تحوّلاتٍ كبرى في التاريخ كانوا ملتزمين دينيّاً، ولم يفقدوا قدرتهم على الإبداع والنقد والتحليل، بل إنّ الالتزام الدينيّ كان محرّكاً لطاقاتهم، وليس مانعاً لها.
و(رابعاً): هناك خلطٌ بين الحريّة والانفلات، نعم، الإسلام يضع ضوابط لسلوك الإنسان، لكنّه لا يفعل ذلك من منطلق الهيمنة، بل من منطلق الرحمة والحكمة؛ فالحريّة المطلقة غير موجودةٍ في أيّ مجتمعٍ بشريّ، كلّ نظامٍ يضع حدوداً للحريّة وفقاً لرؤيته للخير العام، والفرق أنّ الإسلام يعلن هذه الضوابط بوضوحٍ ويربطها بالله، في حين أنّ أنظمةً أخرى قد تفرضها باسم القانون أو الذوق العام أو الثقافة، ومن ثَمَّ، فالسؤال ليس: (هل هناك حدود؟) بل: (من يضع الحدود؟ ولماذا؟) والإسلام يجيب: إنّ الله هو مَن يضعها؛ لأنّه أعلم بالإنسان وبما يصلحه.
وفي المحصلة، الإسلام لا يمسخ الشخصيّة الإنسانيّة، بل يصقلها، ويعلّم الإنسان أنْ يكون مسؤولاً، نبيلاً، منضبطاً، حرّاً من هوى النفس، عارفاً بقيمته باعتباره خليفة الله في الأرض، والله تعالى يضع له المعايير، ولكنّه يترك له مساحةً واسعةً للاجتهاد، والتفكّر، والتطوير. وليس الدين هو الذي يمسخ الإنسان، بل هوى النفس حين يُترك بلا توجيه.
وإذا أردتَ أنْ ترى كيف يبني الإسلام الشخصيّة القوية، فانظر إلى سِيَر العلماء، والمصلحين، والفلاسفة، والمجاهدين في التاريخ الإسلاميّ، وستجد فيهم عمقاً، ونضجاً، وتوازناً نادراً ما تجدها في إنسانٍ «حرٍّ تماماً» بلا مرجعيّة.
فالشموليَّة في الإسلام ليست عبئاً، بل نظام حياةٍ متكاملٌ يجمع بين الروح والعقل، الفرد والمجتمع، القيم والواقع، وهي ليست خصماً من حريّة الإنسان، بل حمايةٌ لها من الوقوع في عبوديّة النفس والآخرين.
اترك تعليق