هل شهد القرآن بعدالة جميع الصحابة؟

السؤال: عدالة الصحابة ثابتةٌ معلومةٌ بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، وقوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 18]، وقوله تعالى: {السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النبيّ حَسْبُكَ اللَّـهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]، وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} إلى قوله: {إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 8-10)، في آياتٍ يطول ذكرها، ثمّ أحاديث شهيرة، يكثر تعدادها.

: الشيخ ضرغام المسعودي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ مسألة عدالة الصحابة من المسائل الكلاميّة التي كثُر فيها الجدل، وتشعّبت فيها الآراء بين المذاهب الإسلاميّة، وقد استند بعض العامَّة إلى عددٍ من الآيات المباركة في إثبات هذه العدالة لجميع الصحابة دون استثناء، وناقش علماء آخرون هذا الاستدلال، ونفوا دلالة تلك الآيات على هذا العموم، بل رأوا أنّها لا تنهض حجّةً لإثبات العدالة المطلقة لجميع الصحابة.

ومن هنا، نحاول في هذا الجواب أنْ نستعرض أهمّ الآيات المستدلّ بها في هذا الباب – وهي التي وردت في السؤال –، مع تحليل الآراء وتقييم مدى سلامة الاستدلال، على ضوء التفسير واللغة والسياق القرآنيِّ.

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110].

يتوقّف الاستدلال بهذه الآية على إثبات اختصاصها بالصحابة، ليُستدلّ بها على عدالتهم، ولكنّ النظر في أقوال المفسّرين يبيّن أنّ هذه الآية عامّة في المسلمين، لا تختصّ بفئةٍ دون أخرى، ولا بزمانٍ دون زمان. فقد صرّح ابن كثير في تفسيره أنّ الآية عامّة، حيث قال: (والصحيح أنّها عامة في جميع الأمّة) [تفسير ابن كثير ج1 ص399].

ثـمّ إنّ وصف (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، ورد في الآية على وجه التعليل بكونهم خير أمة، كما بيّن ذلك الفخر الرازي في [التفسير الكبير ج2 ص232]، وهو ما يدلّ على أنّ الخيريّة الموصوفة ليست ذاتيّة، بل مشروطةٌ بالقيام بهذا الدور، وهو ما يؤكّد الطابع المعياريّ للآية لا الإخباريّ.

أضف إلى ذلك: أنّه حتّى الذين قالوا باختصاص الآية بأصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله)، لم يوسّعوا ذلك ليشمل عموم الصحابة، فقد رُوي عن ابن عباس أنّه قال في تفسير الآية: (هم الذين هاجروا مع محمّد (ص) إلى المدينة) [مسند أحمد ج1 ص354].

بل إنّ الاحتمالات المتعدّدة التي تطرحها الآية تجعل من المتعذر الجزم بأنّها تشمل كلَّ الصحابة بلا استثناء، كما هو ظاهرٌ من بعض كتب التفسير، ويمكن مراجعة ما ذكره صاحب [تأويلات أهل السنّة ج2 ص450] في هذا السياق.

كما أنّ الظاهر هو كون الخيريّة وصفاً للأمّة بما هي أمّة على نحو المجموع، لا لكلّ فردٍ من أفراد الأمّة، فليس الوصف لجميع الأمّة حتّى يكون انحلاليّاً للأفراد؛ إذ لا يمكن أنْ يكون كلُّ فردٍ من الأمة الإسلاميّة أفضل من كلِّ فردٍ من الأمم الماضية، فمن الواضح أنَّ المسلم الأعرابيَّ الجاهل ليس أفضل من العلماء المؤمنين من الأمم الماضية، خصوصاً أنّ فيهم الحواريّين والأوصياء.

وهناك رأيٌ آخر اختاره الخليل الفراهيديُّ ـ وهو من أئمّة اللغة ـ وهو أنّ الجملة في الآية الكريمة إنشائيةٌ تفيد الأمر، وليست خبريّةً تصف واقعاً، فقال: (وقال بعضهم: معناه كونوا خير أمّة، وهو أصحّ ممّا فسّره المفسّرون) [الجمل في النحو ص125]، فيكون المعنى توجيهًا للأمّة إلى التحلّي بهذه الخيريّة من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تقريراً لكونهم كذلك بالفعل.

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

وهذه الآية كما ورد في تفاسير الفريقين، تعني أنّ الله تعالى جعل الأمة الإسلاميّة أمةً وسطًا، أي أمة عدلٍ بين طرفي الغلو والتقصير، بين اليهود والنصارى، ولا يراد بها ـ كما هو ظاهر ـ عدالة الأفراد جميعًا، فإنّ الواقع الخارجي يُكذّب هذا المعنى، إذ لا أحد يلتزم بأنَّ كلَّ فردٍ من الأمة، أو حتى من الصحابة، كان موصوفًا بالعدالة المطلقة.

ومن هنا، تكون الآية ناظرةً إلى الأمّة بما هي كيانٍ جماعيّ، لا إلى الأفراد بخصوصهم، ومن ثم لا تنهض دليلاً على عدالة كلِّ واحدٍ من الصحابة.

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18].

يستدلّ بهذه الآية على عدالة الصحابة من جهة ظهور رضا الله عنهم، غير أنّ التدقيق في الآية يبيّن ما يلي:

أوّلاً: إنّ الآية مختصّةٌ بالمؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة، وكان عددهم نحو 1400 فقط، فهي لا تشمل جميع الصحابة.

ثانياً: إنّ الآية نفسها قد ميّزت بين من يفي بالعهد ومن ينكثه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [الفتح 10]، وهو ما يدلّ على أنّ الوفاء لم يكن معلومًا من الجميع، بل كان أمرًا ظنيَّاً، وإلّا لما كان للترديد والتفريق بين الوفاء والنكث معنى.

ثالثاً: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنّ السكينة نزلت فقط على من علم الله منه الوفاء، وهذا يقصر الرضا على من علم الله صدق نيّته [ينظر: الدر المنثور ج6 ص74].

رابعاً: أنّ الآية تتحدّث عن (المؤمنين)، وقد علم أنّ من بين المبايعين من كان منافقاً بإجماع المؤرخين، كعبد الله بن أبي سلول، فكيف يُمكن تعميم الرضا على الجميع مع وجود المنافقين؟

والأدهى من ذلك أنَّ طلحة والزبير - وهما من أهل بيعة الرضوان- قد حاربا الإمام علياً (عليه السلام) في الجمل، وهو ما عـدّه كثيرٌ من العلماء خروجًا عن العدالة، بل عن الإيمان، فلو كانت الآية تفيد رضا الله عنهم على وجه الدوام، لما أمكن صدور هذا عنهم [ينظر الالهيّات ج4 ص445-446].

الآية الرابعة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾ [التوبة: 100].

الاستدلال بهذه الآية على عدالة عموم الصحابة بعيد؛ لأنّ الآية تتناول (السابقين الأوّلين) فقط، لا كلّ الصحابة، ولا كلّ من أسلم في عهد النبيّ، والاختلاف في تحديد من هم السابقون الأوّلون، هل هم أهل بدر؟ أم من صلّى القبلتين؟ أم من بايع تحت الشجرة؟ يؤكّد محدوديّة هذه الفئة، ولا يسوّغ تعميم الآية إلى سائر الصحابة.

ثمّ إنّ تتمة الآية ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ فيها قيدٌ مهمٌ، وهو أنَّ الاتّباع يجب أنْ يكون (بإحسان)، فما لم يتحقّق هذا القيد، لا يشملهم الرضا.

كما أخرج البخاريُّ عن البراء بن عازب قوله: «إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده» [صحيح البخاريّ ج5 ص66]، في إشارةٍ إلى أنّ بعض الصحابة أنفسهم أقرّ بوقوع الخلل والتغيير بعد النبيّ، وهذا ما يتنافى مع ادّعاء العدالة المطلقة.

الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النبيّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64].

قد يُفهم من هذه الآية أنّ الله يمدح الذين اتّبعوا النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولكنّ الاستدلال بها على العدالة مشروطٌ بتوفّر الإيمان والاتّباع الحقيقيّ للنبيّ، لا مجرّد الصحبة أو اللقاء.

وبالتالي، فالآية لا تفيد إطلاقًا عدالة كلّ من كان في زمن النبيّ، ولا تشمل من خالف أو ارتدّ أو فسق بعد النبيّ، وإن كان قد اتّبعه في وقتٍ ما.

هذا بغض النظر عن سبب نزول هذه الآية، فإنّه قيل: نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) [ينظر شواهد التنزيل ج1 ص301]، وقيل: إنّها نزلت في عمر عندما أسلم [ينظر أسباب النزول للواحدي ص160].

الآية السادسة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 8–10].

هذه الآيات الكريمة وإن مدحت طوائف ثلاثًا: المهاجرين، الأنصار، والتابعين لهم، إلّا أنّها قيّدت المدح بصفاتٍ محدّدةٍ: كالإخلاص في الهجرة، نصرة الدين، المحبّة، الإيثار، وصدق النيّة.

فلا تشمل الآية إلّا من توفّرت فيه هذه الصفات، وهي لا تنطبق بالضرورة على كُلِّ صحابيّ، بل تخرج منها مَن لم يُهاجر ابتغاء فضل الله، أو من آوى الدار دون الإيمان، أو من جاء بعدهم وهو يحمل في صدره غلَّاً للمؤمنين.

ثم إنّا ـ وإنْ تغافلنا عن أسباب النزول، وأعرضنا عن السنّة التي قد تُخصّص عموم بعض الآيات ـ فلا يسعنا إغفال ما ورد في كتاب الله من ذمٍّ صريحٍ لمن كان في معيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، إذ نزلت فيهم سورة كاملة تُسمّى بـ(سورة المنافقون)، شاهدةً على وجود النفاق في قلب الصفّ الإسلاميّ الأوّل.

وإنّا لنكتفي ـ لمَن أراد الإنصاف ـ بإلقاء نظرةٍ على سيرة الصحابة أنفسهم بعد رحيل النبيّ الأكرم، حيث تفرّقوا شيعًا، وتنازعوا في الدين والدنيا، بل وصل الأمر إلى تكفير بعضهم بعضًا، وسفك بعضهم دماء بعض، في مشاهد داميَةٍ تهزّ وجدان المنصف، وتطرح السؤال الملحّ: أيّ عدالةٍ تبقى بعد هذا كلّه؟

وإذا نظرنا إلى هذه الدعوى ـ عدالة الصحابة جميعًا ـ بميزان العقل والمنهج العلميّ، وجدناها لا تعدو أنْ تكون مشروعًا أُريد به تمرير معتقدٍ معيّن، وتثبيت روايةٍ تاريخيّةٍ تخدم أغراضًا سياسيةٍ أكثر مما تقوم على نصوصٍ قطعيَةٍ أو براهين عقليَّة، إنّها مغالطة التعميم في أوضح صورها

خاتمة:

يتّضح من مجموع هذه الآيات المباركة أنّ الاستدلال بها على عدالة عموم الصحابة من دون قيدٍ أو شرطٍ استدلالٌ غير تامّ، سواءٌ من حيث النصوص نفسها أم من حيث تفاسير العلماء من كلا الفريقين، بل إنّ أكثر الآيات تفيد الجماعة لا الأفراد، وتتناول حالاتٍ خاصّةً لا أحكامًا عامّةً، وتنصّ على شروطٍ وقضايا عينيّة، لا قواعد كليَّة.

ومن هنا، فإن عدالة الصحابيّ كعدالة غيره ـ لا تثبت بالنصّ وحده، بل تحتاج إلى إثباتٍ فرديٍّ سلوكيّ، يُقوّم بالإيمان الحقيقيّ، والاستقامة العمليَّة، والوفاء بالعهد، وهو ما كان متفاوتًا بين الصحابة، كما اعترف به جمعٌ منهم.

فلا جرم أنْ يكون المعيار في الاقتداء والاتّباع هو الحقّ، لا مجرّد الصحبة؛ فالعبرة ليست بمن سبق، بل بمَن صدّق واستقام وثبت على الحقّ.