هل تُوجد مبالغةٌ في الحديث عن ليلة القدر؟
السؤال: أليس الحديث عن ليلة القدر على هذا النحو فيه مبالغة؟ فكيف يُعقل أنْ تكون ليلةٌ واحدةٌ خيراً من ألف شهر؟ وكيف يمكن أنْ تُقدَّر في ليلةٍ واحدةٍ مصائرُ الناس وأرزاقُهم وأعمارُهم؟ ألا يتعارض ذلك مع حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله؟ وإذا كان كلُّ شيءٍ مكتوباً مسبقاً، فما فائدة العمل والسعي والدعاء؟ وكيف تتكرَّر ليلةُ القدر كلَّ عام، وهي الليلة التي نزل فيها القرآنُ على النبيّ (صلى الله عليه وآله) قبل أكثر من 1400 عام؟ ألا يعني ذلك أنَّها انتهت بمجرد نزول القرآن وانتهى دورها؟
الإجابة:
ينبع هذا الإشكال من فهمٍ قاصرٍ لحقيقة ليلة القدر، حيث يتجاهل ما ورد في القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) بشأن عظمتها ومكانتها؛ فليلة القدر ليست مجرد ليلةٍ زمنيةٍ تمرُّ كسائر الليالي، بل هي لحظةٌ استثنائيةٌ في النظام الإلهيّ، تتنزَّل فيها الأقدار وفق الحكمة الربانيَّة، وتفيض فيها البركات والرحمات الإلهيَّة على العباد.
وللإجابة عن هذه الإشكالات، لا بدَّ من توضيح بعض الأمور في النقاط الآتية:
أوّلاً: إنَّ القول بأنَّ ليلة القدر «خيرٌ من ألف شهر» لا يُقصد به مجرد مقارنةٍ زمنيَّةٍ بين ليلةٍ واحدةٍ وألف شهر، بل هو تعبيرٌ عن الفضل العظيم والبركة التي تحتويها هذه الليلة، بحيث يعادل العمل الصالح فيها – بل ويفوق – عمل الإنسان طوال عمره إذا امتدَّ إلى أكثر من 83 عاماً.
فهذه الليلة ليست كغيرها؛ إذ جعلها الله مضماراً لمضاعفة الأجور وغفران الذنوب وقبول التوبة، وقد ورد في الروايات ما يؤكّد هذا المعنى، حيث سُئل الإمام الصادق (عليه السلام): «كيف تكون ليلة القدر خيراً من ألف شهر؟ قال: العمل الصالح فيها خيرٌ من العمل في ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر» [من لا يحضره الفقيه ج2 ص158]. وهذا يوضح أنَّ ليلة القدر ليست مجرد ليلةٍ عاديةٍ، بل هي موسمٌ روحيٌّ تتجلى فيه رحمة الله وبركته، حيث تكون الفرصة متاحةً أمام الإنسان ليحقق قفزاتٍ عظيمةً في مسيرته الإيمانيَّة، ويرسم لنفسه مستقبلاً أفضل بعمله ودعائه.
وثانياً: إن تقدير الأقدار في ليلة القدر لا يعني أنَّ الإنسان مسلوب الإرادة أو مجبرٌ على مصيرٍ محدد، بل إنَّ التقدير – كما بيَّنته روايات أهل البيت (عليهم السلام) – هو رسمٌ للأقدار القابلة للمحو والإثبات وفق سنن الله وحكمته، فليس كلُّ ما يُقدَّر في هذه الليلة حتميَّاً غير قابلٍ للتغيير، بل هناك مجالٌ للتبديل والتغيير بحسب أعمال الإنسان وسلوكه.
وقد عبّر الإمام الرضا (عليه السلام) عن القدر بقوله: «القدر هو الهندسة ووضع الحدود»، أي إنَّه التخطيط الأوليُّ الذي يمكن أنْ يطرأ عليه التغيير وفق مشيئة الله، ففي الرواية عن يونس بن عبد الرحمن، قال: «قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا يونس، لا تقل بقول القدريَّة، فإنَّ القدريَّة لم يقولوا بقول أهل الجنَّة، ولا بقول أهل النار، ولا بقول إبليس؛ فإنَّ أهل الجنَّة قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ. وقال أهل النار: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ. وقال إبليس: ربِّ بما أغويتني.
فقلت: والله ما أقول بقولهم، ولكنّي أقول: لا يكون إلَّا بما شاء الله وأراد وقدَّر وقضى.
فقال: يا يونس، ليس هكذا، لا يكون إلَّا ما شاء الله وأراد وقَّدر وقضى، يا يونس تعلم ما المشيئة؟ قلت: لا، قال: هي الذكر الأول، فتعلم ما الإرادة؟ قلت: لا، قال: هي العزيمة على ما يشاء، فتعلم ما القدر؟ قلت: لا، قال: هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، قال: ثم قال: والقضاء هو الابرام وإقامة العين» [الكافي ج 1 ص158].
وعليه، فإنَّ الليلة التي يقدر فيها أقدار العباد ليست الليلة التي يتمُّ فيها كتابة المصائر بشكلٍ حتميٍّ دون مراعاةٍ لأعمال العباد وسلوكهم، بل هي ليلةٌ تُرسَم فيها خطوط المستقبل بناءً على ما قدّمه الإنسان من أعمال، وما يدعو به، وما يُصلح من شأنه.
يؤكّد هذا المعنى الإمام الباقر (عليه السلام)، حيث سُئل عن ليلة القدر، فقال: «تنزَّل فيها الملائكة والروح والكتبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما هو كائنٌ في أمر السنة وما يصيب العباد فيها. قال: وأمرٌ موقوفٌ لله تعالى فيه المشيئة، يقدّم منه ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، وهو قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}» [الأمالي للطوسيّ ص60].
وهذا يدلّ على أنَّ ما يُكتب في ليلة القدر ليس قضاءً جبريَّاً، بل هو وفق سنة الله التي جعل فيها الأعمال والنيات والدعاء عواملَ مؤثرةً في رسم المصير، وبذلك فإنَّ الإنسان لا يُجبر على مصيره، بل يملك الإرادة والاختيار لتحديد موقعه في التقدير الإلهيّ.
وثالثاً: البعض يظنُّ أنَّ ليلة القدر كانت ليلةً واحدةً فقط في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله) عندما نزل فيها القرآن، ولكن هذا الفهم ناقص؛ لأن القرآن نفسه استخدم الفعل المضارع {تَنَزَّلُ} للدلالة على أنَّ هذا الحدث مستمرٌّ وليس منقطعاً، كما أنَّ الروايات تؤكّد أنَّ ليلة القدر تتكرَّر كلَّ عام، وأنها مستمرةٌ ما دام هناك إمامٌ معصومٌ في الأرض.
ففي تفسير علي بن ابراهيم قال: ({تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} قال: تنزَّل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأمور) [تفسير القميّ ج2 ص431].
وعن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن (عليهم السلام): «{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}: يعني القرآن، {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}: وهي ليلة القدر، أنزل الله القرآن فيها إلى البيت المعمور جملةً واحدةً، ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في طول ثلاث وعشرين سنة. {فِيهَا يُفْرَقُ}: في ليلة القدر، {كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}: أي يقدّر الله كلَّ أمرٍ من الحق ومن الباطل وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشية، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء من الآجال والأرزاق والبلايا والاعراض والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء ويلقيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويلقيه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الأئمة (عليهم السلام) حتى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، ويشترط له ما فيه البداء والمشية والتقديم والتأخير» [تفسير القميّ ج2 ص290].
وفي المحصلة، ليلة القدر ليست مجرّد ليلةٍ تاريخيةٍ، بل هي ليلةٌ متجدّدةٌ ذات شأنٍ عظيم، جعلها الله فرصةً لتغيير الأقدار، ورفع الدرجات، وغفران الذنوب، وهي ليلةٌ تترابط فيها أسرار التقدير الإلهيّ مع إرادة الإنسان، حيث يمكن لكل إنسانٍ أنْ يُسهم في تقرير مستقبله بالدعاء والعمل الصالح. وهي ليلةٌ نزل فيها القرآن، ولكن لا يزال نورها ممتداً، ولا تزال الملائكة تتنزَّل فيها، ولا يزال فيها سرٌّ عظيمٌ مرتبطٌ بالولاية الإلهيَّة، مما يجعلها ليلةً مفتاحيَّةً في المسيرة الروحيَّة لكلِّ مؤمنٍ يسعى لنيل رحمة الله ورضوانه.
اترك تعليق