هل التفسير الباطنيّ منهجٌ مشروعٌ؟
السؤال: إذا كان التفسير الباطنيّ قائماً على تأويلاتٍ رمزيَّةٍ لا تستند إلى الظاهر اللغويّ للنص، فهل يمكن اعتباره منهجاً تفسيريَّاً مشروعاً، أو هو تحريفٌ للنصوص الدينيَّة بما يخدم أغراضاً فكريَّةً وفلسفيَّةً خارجيَّة؟
الإجابة:
التفسير الباطنيّ - كما يظهر من استقراء مناهجه واتجاهاته المختلفة - لا يستند إلى منهجيَّةٍ علميَّةٍ واضحةٍ يمكن اعتمادها في فهم النص القرآنيّ، بل هو نتاج تيَّاراتٍ فكريَّةٍ حاولت توظيف النصوص الدينيَّة لخدمة رؤىً فلسفيَّةٍ أو مذهبيَّةٍ مسبقة - ومن هنا - فهو ليس مجرَّد اختلافٍ في الفهم داخل إطار اللغة والمقاصد الشرعيَّة، بل هو تجاوزٌ لمعاني النصوص، وإحلال تفسيراتٍ لا تمتُّ بصلةٍ إلى ظاهرها اللغويّ والعقليّ.
وقد تفاوتت اتجاهات التفسير الباطنيّ وفقاً للخلفيات الفكريَّة لأتباعه، فالبعض تأثَّر بالفلسفات الإغريقيَّة، كما هو الحال في التفسير الإسماعيليّ الذي استلهم مفاهيمه من الفيثاغوريَّة والأفلاطونَّية، ثم قام بتفسير النصوص القرآنيَّة من خلالها بما يتماشى مع رؤيته المعرفيَّة.
كما أنَّ بعض التيارات الصوفيَّة ميَّزت بين الشريعة والحقيقة، واعتبرت أنَّ ظاهر النصوص القرآنيَّة ليس المقصود، بل المعاني الباطنيّة الخفيَّة التي تحملها هي المقصود الحقيقيّ، وقد أدَّى تأثّر هذه التيارات بالفلسفات الشرقيَّة، مثل الفلسفات الهنديَّة والإيرانيَّة القديمة إلى إبعاد التفسير الباطنيّ الصوفيّ عن المنهج العقليّ والبرهانيّ المعتمد في التفسير التقليديّ، وفتح الباب أمام التأمّلات الذاتيَّة التي قد تفتقر أحياناً إلى أيِّ أساسٍ لُغويٍّ أو شرعي
ومن الإشكالات الكبرى في التفسير الباطنيّ أنَّه لا يضع حدوداً للتأويل، ممَّا يجعله وسيلةً قابلةً لتبرير أيَّة فكرةٍ أو عقيدةٍ، حتى لو كانت مناقضةً لصريح القرآن؛ إذ يمكن لأيِّ شخصٍ أنْ يدّعي وجود معنىً خفيٍّ للنص يخالف ظاهره دون الحاجة إلى دليلٍ لغويٍّ أو سياقيّ، وهذا ما يجعل التفسير الباطنيّ يتعارض مع منهجية التفسير المعتبرة في الإسلام، والتي تقوم على ضرورة مراعاة دلالة الألفاظ وفق السياق اللغويّ بما يعرف بالظهور العقلائي.
فالفرق الباطنيّة لم تحاول تفسير القرآن بقدر ما سعت إلى تجاوزه واستبداله بفلسفاتها الخاصة، كما يشير الدكتور محسن عبد الحميد، فإنَّ الباطنيّة عندما وجدت أنَّ النصوص الإسلاميّة تشكّلُ عائقاً أمام تمرير أفكارها، لم تحاول فهمها في إطارها اللغويّ والسياقيّ، بل قامت بإلغائها تماماً واستبدالها بأفكارها المستمدة من ثقافاتٍ وأديانٍ أخرى، حيث قال: (لا ريب أنَّ الباحث المنصف عندما يستعرض التفاسير الباطنيّة، ويدرس ما فيها من اتجاهاتٍ وأفكارٍ، يوقن أنَّ القضية الباطنيّة لا تتصل بتفسير القرآن، أو محاولة فهمه، وإنّما تتصل بمذاهب ونحلٍ كوَّنتها مصادر الثقافات والأديان الغريبة عن طبيعة الإسلام، سواءٌ تلك التي تتصل بمبادئه أم مقاصده، أي أنَّ الباطنيّة عندما رأت أنَّ النص الإسلاميّ عائقٌ أمامها في سبيل الوصول الى مآربها، ألغته إلغاءً تامَّاً، ووضعت تلك الأفكار والفلسفات وبقايا الأديان المحرّفة بدل النص الذي يمثل دين الإسلام.
إذ من غير المقبول ولا المعقول أنْ يُلغي المسلم الذي يريد المحافظة على دين الإسلام اللغة العربية إلغاءً تاماً من حياة النص الذي نزل بها لا بغيرها كي يبيّن الرسول ما نزل اليه لقومه.. نعم من الممكن أنْ يحصل خلافٌ في فهم المعنى داخل اللغة، معانيها ومقاصدها، هذا شيء، وقطع النص من حياة اللغة شيءٌ آخر؛ لأنَّه يؤدّي الى الغاء أصل التفاهم بين البشر، وإدخال الفساد القاطع في أسس الفكر الإنسانيّ) [تطور تفسير القرآن الكريم ص202].
وفي المحصلة، فإن التفسير الباطنيّ لا يمكن اعتباره منهجاً تفسيريَّاً مشروعاً؛ لأنَّه لا يلتزم بقواعد التفسير العلميّة المعتمدة، بل يقوم على افتراضاتٍ وتأويلاتٍ اعتباطيَّةٍ لا تستند إلى أي معيارٍ موضوعيّ.
أما إذا كان التفسير يستنبط معانيَ طوليَّةً للنص، أي أنَّه يضيف دلالاتٍ جديدةً لكنَّها تبقى منسجمةً مع الظاهر اللغويّ ومبنيةً على أسسٍ عقليَّةٍ ومنطقيَّةٍ صحيحة، فلا إشكال في ذلك؛ لأنَّ القرآن كتابٌ متعدّد الطبقات في معانيه، ويمكن استخراج المزيد من الهدايات منه ما دام ذلك يتم ضمن إطار اللغة وطريقة العقلاء في التفاهم.
اترك تعليق