تبليغ سورة براءة
السؤال: هل تصحُّ حادثةُ عزل أبي بكر عن تبليغ سورة براءة وإرسال عليِّ بن أبي طالب (ع) بدلاً عنه؟ وعلى فرض الصحة ما هي دلالات هذه الحادثة؟ ولِمَ أرسل النبيّ (ص) أبا بكر أولاً ثمَّ ردَّه فيما بعد؟ وهل كان أبو بكر أهلاً لذلك حتى أرسله النبيُّ (ص) في البداية؟ وهل يدلُّ ذلك على تفضيل أبي بكر وترجيحه على أمير المؤمنين؟ بتقريب أنَّ النبيّ (ص) بعثه أولاً.
الجواب:
السؤال يتضمَّن فروعاً عديدة؛ ولذا سنفصّل بينها لتتيسَّر الإجابة عنها بشكلٍ واضحٍ تباعاً:
أولاً: هل تصحُّ حادثة عزل أبي بكر عن تبليغ سورة براءة وإرسال عليّ بن أبي طالب (ع) بدلاً عنه؟
نعم، هي حادثةٌ صحيحةٌ وممَّا اتفق وأجمع عليه الفريقان وتعرف باسم حادثة (تبليغ سورة براءة)؛ وهي تحكي عن إرسال النبيّ (ص) أبا بكرٍ إلى مكَّة المكرمة لإبلاغ المشركين بالآيات الأولى من سورة براءة، ومن ثَمَّ عزَلَه وردَّه قبل ذلك، وأرسل أمير المؤمنين (ع) بدلاً عنه بأمرٍ من الله تبارك وتعالى.
وقد تناقلها الفريقان بكثرةٍ في كتب الحديث والتفسير والتأريخ.
فمن العامّة: روى أحمد بن حنبل عن حنش عن عليٍّ (ع) أنَّه قال: «لما نزلتْ عشرُ آياتٍ من براءة على النبيّ (ص) دعا النبيُّ (ص) أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبيُّ (ص) فقال لي: أدرك أبا بكر، فحيثما لحِقْتَه فخُذْ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم. فلحقتُهُ بالجُحفَة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبيّ (ص) فقال: يا رسول الله نزلَ في شيء؟ قال: لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدى عنك إلا أنت أو رجلٌ منك» [مسند أحمد ج1 ص151].
وروى النسائيُّ عن زيد بن يثيع عن عليٍّ (ع) أنَّه قال: «إنَّ رسول الله (ص) بعث ببراءة إلى أهل مكَّة مع أبي بكر، ثم أتبعه بعليٍّ فقال له: خُذ الكتاب فامضِ به إلى أهل مكة. قال: فلَحِقَهُ فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيبٌ فقال لرسول الله (ص): أنزل في شيءٌ؟ قال: لا، إلا أنّي أمرت أنْ أبلغه أنا أو رجلٌ من أهل بيتي» [خصائص علي ص91].
إلى غير ذلك من مصادر العامة والتي يمكن ملاحظتها فيما نقله العلامة الأمينيُّ (ره)؛ إذ عدَّ العشرات ممَّن نقلها من محدّثي العامَّة ومفسريهم ومؤرخيهم، وقال في مقدّمة ذلك: (وهذه الأثارة ـ أي: حادثة تبليغ سورة براءة ـ أخرجها كثيرٌ من أئمَّة الحديث وحفَّاظه بعدة طُرُقٍ صحيحةٍ يتأتى التواتر بأقلَّ منها عند جمعٍ من القوم..) [الغدير ج6 ص338].
ومن مصادر الخاصّة: روى القميُّ عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «... فلمَّا نزلت الآيات من أول براءة دفعها رسول الله (ص) إلى أبي بكر وأمره أنْ يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر، فلما خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله (ص) فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلَّا رجلٌ منك، فبعث رسول الله (ص) أمير المؤمنين (ع) في طلبه فلحقه بالروحاء فأخذ منه الآيات، فرجع أبو بكر إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله، أأنزل الله فيَّ شيئاً؟ قال: لا، إنَّ الله أمرني أنْ لا يؤدّي عنّي إلَّا أنا أو رجلٌ منّي» [تفسير القميّ ج1 ص282].
وروى العياشيُّ عن حريز عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: «إنَّ رسول الله (ص) بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس، فنزل جبرئيل فقال: لا يبلّغ عنك إلَّا عليُّ، فدعا رسول الله (ص) علياً فأمره أنْ يركب ناقته العضباء، وأمره أنْ يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأهـ[ـا] على الناس بمكة، فقال أبو بكر: أسخطة؟ فقال: لا، إلَّا أنَّه أُنزل عليه لا يبلّغ إلَّا رجلٌ منك، فلمَّا قدم على مكة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحج الأكبر، قام ثم قال: إنّي رسولُ رسولِ الله إليكم، فقرأها عليهم: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} عشرين من ذي الحجة ومحرم وصفر وشهر ربيع الأول، وعشراً من شهر ربيع الآخر، وقال: لا يطوف بالبيت عريانٌ ولا عريانة، ولا مشركٌ إلَّا من كان له عهدٌ عند رسول الله، فمدَّته إلى هذه الأربعة الأشهر» [تفسير العياشيّ ج2 ص73–74].
وثانياً: ما هي دلالات هذه الحادثة؟
لحادثة تبليغ سورة براءة دلالاتٌ كثيرةٌ مهمّةٌ، من أبرزها:
الأولى: فيها تأكيدٌ من قبل الله تعالى على منزلةٍ حسَّاسةٍ من منازل أمير المؤمنين (ع) من رسول الله (ص) التي جعلها له بمقتضى حديث المنزلة المعروف؛ وهي: الشركة في أمر إبلاغ الرسالة وإرساء الدين والشريعة؛ كما كان هارون (ع) من موسى (ع) فهو شريكٌ مع النبيّ (ص) في جميع منازله إلَّا النبوة؛ إذ لا نبيَّ بعده (ص).
الثانية: فيها إيعازٌ من قبل الله تعالى أنَّ الجدير بأن يكون خليفة النبيّ (ص) وأمينَه على دينِهِ وأمَّتِهِ هو عليُّ بن أبي طالب (ع) دون غيره؛ إذ ارتضاه شريكاً في أمر نبيِّه (ص) وأميناً على وحيه، ولم يرتضِ غيره.
الثالثة: يُفهم أيضاً من هذا الحديث أنّه إذا كانت بضع آياتٍ لا يصلح أنْ يؤدّيها إلى الناس إلّا النبيّ (ص) أو الإمام عليّ (ع) حصراً، فمن بابٍ أولى خلافة النبيّ (ص) على أمر الدين والدنيا، والقيام مقامه في قوله وفعله، يجب أنْ لا تكون إلّا لأمير المؤمنين (ع) وليس غيره.
وثالثاً: لِمَ أرسل النبيّ (ص) أبا بكر أولاً ثم ردَّه فيما بعد؟ وهل كان أبو بكر أهلاً لذلك حتى أرسله النبيّ (ص) في البداية؟ وهل يدلُّ ذلك على تفضيل أبي بكرٍ وترجيحهِ على أمير المؤمنين بتقريب أنَّ النبيّ (ص) بعثه أولاً؟
أما إرسال أبي بكر أولاً فلا بُدَّ أنْ يكون ذلك لحكمةٍ من رسول الله (ص)؛ وهي: إبرازُ منزلة ومقام أمير المؤمنين (ع) عند الله تعالى، وفضله عمّن سواه، وعدم أهلية غيره؛ والدالُّ عليه: نزول الوحي الإلهيِّ على النبيّ (ص) بردّ أبي بكر وأنَّه: "لا يؤدّي عنك إلا أنت أو رجلٌ منك" ولو أرسل النبيّ (ص) علياً من أول الأمر لما حصل هذا التنبيه، وبذلك يقيم الحُجَّة على الصحابة والأمَّة ويُلزمهم بها.
وهذا الأسلوب من رسول الله (ص) غايةٌ في الحكمة، فبه يترك الأحداث والمواقف تحكي بنفسها عن حقائق الرجال وتبيّن أقدارهم وتكشف زيف الدعاوي الباطلة، و تبقى شواهد حيَّةً للأمَّة على مرور الأيام وكرور الليالي؛ { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} ، ومن هنا يتضح السبب من ردّ النبيّ (ص) لأبي بكر فيما بعد.
ولهذا الأسلوب نظائر عديدةٌ في سيرة رسول الله (ص)، منها: ما قام به (ص) في حادثة «فتح خيبر»؛ حيث بعث أبا بكر لفتح خيبر أولاً، وبعد فراره بعث عمر ثانياً مع علمه (ص) بعدم جدارتهما ـ أساساً ـ لمثل هذا الأمر، وأنَّه ليس لها إلا أبو الحسن (ع) ولكن ليكشف من خلال هذا الموقف كما غيره عن حقيقة حالهما للمسلمين؛ من عدم جدارتهما أبداً لقيادة الأمة، واتصافهما بالجبن، واجترائهما على ارتكاب الكبائر؛ كالفرار من الزحف، ونقضهم عهد الله الذي عاهدوا النبيّ عليه في بيعة الرضوان وهي عنهم ليست ببعيد؛ إذ بايع الصحابة النبيّ (ص) آنذاك على عدم الفرار من الزحف؛ فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنَّه قال: (لم نبايع رسول الله (ص) على الموت، إنما بايعناه على أنْ لا نفرّ) [صحيح مسلم ج6 ص25].
فيكون هذا الموقف مضافاً إلى غيره من المواقف الكاشفة عن حقيقتهم أمام الأمة، والشاهدة عليهم أمام الله تعالى إذ يقول سبحانه: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [ الأحزاب: 15].
وبالفعل ما كان في النهاية من النبيّ (ص) إلَّا أْن أرسل علياً (ع) وكان يعرّض بفرار الأولين؛ فقد روى البزار عن ابن عبَّاس أنَّه قال: «بعث رسول الله (ص) إلى خيبر - أحسبه أبا بكر- فرجع منهزماً ومن معه، فلمَّا كان من الغد بعث عمر فرجع منهزماً يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه، فقال رسول الله (ص): لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّهُ اللهُ ورسُولُهُ، لا يرجع حتى يفتح الله عليه، فثار الناس. فقال: أين علي؟.." [مسند البزار ج11 ص327].
وروى ابن أبي شيبة عن أبي ليلى عن عليٍّ (ع) أنَّه قال: «..أما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قال: قلتُ: بلى والله قد كنتُ معكم، قال: فإنَّ رسول الله (ص) بعث أبا بكر فسار بالناس فانهزم حتى رجع إليه، وبعث عمر فانهزم بالناس حتى انتهى إليه، فقال رسول الله (ص): لأعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُهُ، يفتح الله له ليس بفرَّارٍ فأرسل إلي..." [المصنف ج18 ص59-60]. والحادثة معروفةٌ مرويةٌ بذات المضمون برواياتٍ عديدةٍ نقلها الفريقان.
ومن تلك النظائر ـ أيضاً ـ في سيرة النبيّ (ص): حادثة "غزوة ذات السلاسل»، وأحداثها مشابهةٌ لما حصل في حادثة فتح خيبر.
اترك تعليق