هل سهم المؤلفة قلوبهم رشوة ومحسوبية؟
السؤال: من مظاهر الرُّشوة والمحسوبيَّة في الإسلام (سهم المؤلّفة قلوبُهُم)!
الجواب:
هذا الادّعاء يعكس سوءَ فهمٍ لمفهوم (المؤلّفة قلوبهم) في الإسلام، ومحاولة ربطه بالرُّشوة والمحسوبيَّة تحريفٌ للمعنى الحقيقيّ للحكم الشرعيّ.
وللردّ على هذا الادّعاء بشكلٍ مفصّلٍ يمكن تناول الموضوع من عدّة جوانب:
أوّلاً: تعريف المؤلّفة قلوبهم في الإسلام:
المؤلّفة قلوبهم هم الذين كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، فمع أنّهم قد أسلموا وأقرّوا بالتوحيد وأذعنوا بنبوّة النبيّ (ص) إلّا أنّ الإسلام لم يترسّخْ بعدُ في قلوبِهم؛ ولهذا كان النبيّ (ص) يتألّفهم بالعطاء من الغنائم والصَّدقات رجاءَ ثباتهم على الإسلام، ولكي يظلّوا منتمين إليه ظاهريّاً، حتّى يُتاح لهم سماع آيات القرآن والاستماع لمواعظه (ص) والاختلاط بالمؤمنين، فيحسُن إسلامهم مع مرور الوقت.
وقد جاء ذكرهم في القرآن الكريم ضمن مصارف الزكاة، حيث يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤلَّفةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].
وقد ورد هذا المعنى في معتبرة زرارة عن الإمام الباقر (ع) قال: "سألتُه عن قول الله (عزَّ وجلَّ): {وَالمُؤلّفَةِ قُلُوبُهُمْ}، فقال (عليه السلام): هم قومٌ وحّدوا الله (عزَّ وجلَّ)، وخلعوا عبادةَ مَن يُعبد من دون الله، وشهدوا أنْ لا إله إلّا الله، وأنَّ محمّداً رسول الله (ص)، وهم في ذلك شُكّاكٌ في بعض ما جاء به محمّد (ص)، فأمر اللهُ (عزَّ وجلَّ) نبيَّه (ص) أنْ يتألّفهم بالمال والعطاء لكي يحسُن إسلامُهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقرّوا به".
ثـمّ يضيف الإمام الباقر (عليه السلام): أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يوم حُنين أعطى بعض زعماء العرب كـ: أبي سفيان بن حرب وعيينة بن حصن الفزاريّ وغيرهم من قبائل مضر، ممّا أثار غضب بعض الأنصار، فاجتمعوا حول سعد بن عبادة وذهبوا إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمساءلته. [الكافي ج2 ص411].
وفي معتبرةٍ أخرى عن زرارة عن الإمام الباقر (ع): "المؤلّفة قلوبهم: قومٌ وحّدوا الله وخلعوا عبادةَ مَن يُعبَد من دون الله، ولم تدخل المعرفةُ قلوبَهم أنّ محمّداً رسول الله، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتألّفهم ويعرِّفهم لكيما يعرِفُوا ويعلِّمهم» [الكافي ج2 ص410-411].
ثمّ إنَّ عنوان المؤلّفة قلوبُهم قد يصدق على كلِّ مَن كان ضعيف اليقين وقليل المعرفة، ممّن لا يُؤمَن ثباتُهُ على دين الله تعالى وإنْ لم يكن حديث العهد بالإسلام، وهذا ما تؤيّده رواية موسى بن بكر: "ما كانت المؤلّفة قلوبهم قطُّ أكثر منهم اليوم، وهم قومٌ وحّدوا الله وخرجُوا من الشرك، ولم تدخل معرفةُ محمّدٍ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلوبهم وما جاء به، فتألّفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتألّفهم المؤمنون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكيما يعرفوا» [الكافي ج2 ص412].
وذهب البعضُ إلى أنّ عنوان المؤلّفة قلوبهم قد يشمل الكفّار الذين يُرجَى استمالتهم للإسلام أو للجهاد مع المسلمين؛ استناداً إلى معتبرة زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "سهم المؤلّفة قلوبهم وسهم الرقاب عامّ، والباقي خاصّ" [الكافي ج3 ص496]، وفي الخبر عن الإمام الباقر (عليه السلام) - في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَالمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} -قال: "قوم يُتألََّفُون على الإسلام من رؤساء القبائل، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطيهم ليتألّفهم..» [دعائم الإسلام ج1 ص260].
وثانياً: الفرق بين الرُّشوة وتأليف القلوب:
الرُّشوة محرّمةٌ شرعاً، وقد لُعن الراشي والمرتشي، وهي عبارة عن دفع مالٍ لشخصٍ معيّنٍ بهدف تحقيق مصلحةٍ شخصيّةٍ غير مشروعة، كظلم الآخرين أو تجاوز القوانين أو شراء الضمائر الفاسدة، وقد جاء في الحديث عن رسول الله (ص) أنه قال: "إيّاكم والرُّشوة، فإنّها محض الكفر، ولا يشمّ صاحب الرُّشوة ريح الجنّة» [معارج اليقين ص440].
أمّا المؤلّفة قلوبهم، فإنّ المال يُعطَى لهم لتحقيق مصلحةٍ عامّةٍ، وهي تقوية الإسلام ونشره أو كفّ شرّ أعدائه، وهذا الفعل يشبه تقديم دعمٍ ماليٍّ لدولةٍ ما من أجل تحقيق استقرارٍ سياسيّ، أو استمالة قلوب زعماء قبائل لدرء خطر الحروب.
وبالتالي، فالتشبيه بين الرُّشوة والمحسوبيَّة وبين المؤلّفة قلوبهم فيه مغالطةٌ كبيرةٌ؛ لأنّ الإسلام لم يشرّع تأليف القلوب لتحقيق مكاسب فرديّة، وإنّما لمصلحة الأمّة بأكملها.
وثالثاً: هل ما زال سهم المؤلّفة قلوبهم معمولاً به؟
هناك بحثٌ مفصَّلٌ في هذه المسألة بين فقهاء الشيعة، ويمكن اختصار ذلك في اتّجاهين:
الاتّجاه الأّول – وهو السائد -: هذا السهم كان حكماً مؤقّتاً انتهى بوفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولم يعُد معمولاً به بعد ذلك؛ لأنّ الإمام عليَّاً (عليه السلام) لم يوزّعه عندما تولّى الخلافة، ولو كان حكماً ثابتاً لَـمَا تركه.
الاتّجاه الثاني: إنّ الحكم لم يُنسخْ، لكنّه متوقّفٌ على تقدير الحاكم الشرعيّ – أي: وليّ الأمر -، فإذا رأى الإمام المعصوم أو الفقيه الجامع للشرائط وجود مصلحةٍ حقيقيّةٍ في تأليف بعض القلوب، أمكن إعطاؤهم من الزكاة.
وفي المحصّلة، تبيَّنَ بوضوحٍ أنّ مفهوم (المؤلّفة قلوبُهُم) يختلف جذريّاً عن الرُّشوة والمحسوبيَّة، سواءٌ في النيّة أو في الأهداف.
فبينما تقوم الرُّشوة على تحقيق مكاسب فرديّةٍ غير مشروعةٍ عبر وسائل ملتوية، فإنّ تأليف القلوب كان أداةً سياسيّةً وشرعيّةً اعتمدها الإسلام لتحقيق مصلحةٍ عامّةٍ، وهي ترسيخ دعائمه في قلوب الداخلين الجدد إليه، أو كفّ شرّ بعض المعارضين المُحتملين.
ولو كان الأمر مجرّد شراءٍ للضمائر؛ لكان الإسلام أولى بمحاربته، لكّنه كان جزءاً من منهجٍ حكيمٍ في بناء الأمّة الإسلاميّة في مراحلها الأولى، وهو منهجٌ يتّسم بالمرونة والاستراتيجيّة بدلاً من العنف والقهر. وبالتالي، فإنّ محاولة تصوير هذا التشريع على أنّه نوعٌ من الفساد الماليّ أو الرُّشوة، تنمّ عن جهلٍ بحقيقة الأحكام الإسلاميّة وطبيعة السياسات التي انتهجها النبيّ (صلى الله عليه وآله) في تأسيس مجتمعٍ قويٍّ ومتماسكٍ.
اترك تعليق