احتجاج الأمير (ع) بحديث الغدير

السؤال: هل احتجَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على الناس بحديث الغدير في أيام السقيفة وغيرها؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء لا بأس أنْ يُعلم بأنَّ حديث الغدير لم يدع لأحدٍ عذراً يعتذر به يوم القيامة ولو كابر في دار الدنيا ما كابر. وعليه، فسواء احتجَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) به أم لا، فلا يُغيِّر من الواقع شيئاً، كما هو واضح.

قال أبو جعفر الصدوق (طيَّب الله ثراه): (إنَّ يوم غدير خم لم يدع لاحد عذراً. هكذا قالت سيِّدة النسوان فاطمة (عليها السلام) لما مُنعت فدكاً وخاطبت الأنصار، فقالوا: يا بنت محمِّد، لو سمعنا هذا الكلام منكِ قبل بيعتنا لأبي بكر ما عدلنا بعليٍّ أحداً، فقالت: «وهل ترك أبي يوم غدير خم لأحدٍ عذراً») [الخِصال ص١٧٣].

إذا بان هذا نقول: إنَّ الثابت في المصادر المتعددة أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد احتجَّ بحديث الغدير في أكثر من موضع ـ ومنها في أحداث السقيفة ـ نذكر بعضاً منها، طلباً للاختصار.

أوَّلاً: احتجاجه أيام السقيفة:

1ـ روى سُليم بن قيس (طاب ثراه)، وفيه: «قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى عليٍّ فليبايع، فإنّا لسنا في شيءٍ حتَّى يبايع، ولو قد بايع أمِنّاه. فأرسل إليه أبو بكر: أجب خليفة رسول الله. فأتاه الرسول فقال له ذلك. فقال له علي (عليه السلام): سبحان الله، ما أسرع ما كذبتم على رسول الله، إنّه ليعلم ـ ويعلم الذين حوله ـ أنَّ الله ورسوله لم يستخلفا غيري. وذهب الرسول فأخبره بما قال له. قال: اذهب فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر. فأتاه فأخبره بما قال. فقال له علي (عليه السلام): سبحان الله، ما - والله - طال العهدُ فيُنسى، فو الله إنه ليعلم أنَّ هذا الاسم لا يصلح إلَّا لي، ولقد أمره رسول الله وهو سابع سبعة فسلَّموا عليَّ بإمرة المؤمنين. فاستفهم هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أحقّ من الله ورسوله؟ فقال لهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): نعم، حقَّاً حقَّاً من الله ورسوله، إنّه أمير المؤمنين وسيِّد المسلمين وصاحب لواء الغرّ المحجَّلين، يقعده الله (عزَّ وجلَّ) يوم القيامة على الصراط، فيُدخل أوليائه الجنة وأعداءه النار. فانطلق الرسول فأخبره بما قال. قال: فسكتوا عنه يومهم ذلك» [كتاب سُليم ص147].

2ـ وروى الشيخ الكليني (طاب ثراه) عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفيه قوله: «إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وذلك حين فرغ من جمع القرآن، وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الأوهام أنْ تنال إلَّا وجوده - إلى قوله (عليه السلام) - فخرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى حجَّة الوادع ثمَّ صار إلى غدير خم، فأمر فأصلح له شبه المنبر، ثمَّ علاه وأخذ بعضدي حتَّى رُئِي بياض إبطيه رافعاً صوته قائلاً في محفله: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه وعادِ من عاداه. فكانتْ على ولايتي ولاية الله، وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله (عزَّ وجلَّ) في ذلك اليوم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾، فكانت ولايتي كمال الدين، ورضا الرب (جلَّ ذكره)» [الكافي ج8 ص18].

3ـ وروى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أبي سعيد الوراق، عن أبيه، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام) قال: «لـمَا كان من أمر أبي بكر وبيعة الناس له وفعلهم بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ما كان، لم يزل أبو بكر يُظهر له الانبساط ويرى منه انقباضاً - إلى قوله (عليه السلام) - فقال عليٌّ (عليه السلام): أنشدك بالله يا أبا بكر، أفي نفسك تجد هذه الخصال أو فيَّ؟ قال: بل فيك يا أبا الحسن ... قال (عليه السلام): أنشدك بالله، أنا المولى لك ولكلِّ مسلم بحديث النبي (صلَّى الله عليه وآله) يوم الغدير أم أنت؟ قال: بل أنت...» [الخِصال ص548].

4ـ وروى أحمد بن علي الطبرسي (طاب ثراه)، وفيه: «قالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن، لو كان هذا الأمر سَمِعَتهُ منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان. فقال عليٌّ (عليه السلام): يا هؤلاء، كنتُ أدع رسول الله مسجَّى لا أواريه وأخرج أنازع في سلطانه، والله ما خفتُ أحداً يسمو له وينازعنا أهل البيت فيه ويستحلّ ما استحللتموه، ولا علمتُ أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ترك يوم غدير خم لأحدٍ حُجّة، ولا لقائلٍ مقالاً، فأنشدُ الله رجلاً سمع النبيّ يوم غدير خم يقول: «مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وخذل من خذله» أنْ يشهد الآن بما سمع» [الاحتجاج ج1 ص96]. إلى غيرها من الأخبار الدالَّة على احتجاجه وبيان حقِّه الثابت له يوم الغدير أيام السقيفة.

ثانياً: احتجاجه في يوم الشورى:

1ـ روى القاضي النعمان المغربي عن الأعمش، عن عامر بن واثلة، قال: «كنتُ على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعتُ علياً (عليه السلام) يقول: أيّها الناس، الله الله في أنفسكم، إنّها والله الفتنة العمياء الصمَّاء البكماء المقعدة، إلى متى تعصون الله - إلى قوله - لكنِّي أحتجُّ عليكم، وأقيم المعذرة إلى الله (عزَّ وجلَّ) بيني وبينكم. بايع الناسُ أبا بكر، وأنا والله أحقُّ وأولى بها منه، لكنِّي خفتُ رجوع الناس على أعقابهم لما رأيتُ من طمع المنافقين في الكفر ... قال: فأناشدكم بالله الذي لا إله إلَّا هو أيها النفر الخمسة، هل فيكم أحدٌ أقامه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حجَّة الوداع عندما احتجَّ إليه عامَّة الأمَّة، فقال لهم: ألستم تعلمون أني أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا: اللهم، نعم. قال: فمن كنتُ مولاه فهذا مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، غيري؟ قالوا: اللهم، لا» [شرح الأخبار ج2 ص185، المناقب لابن المغازلي ص170].

2ـ وقال ابن أبي الحديد في ذلك: «ونحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى، وتعديده فضائله وخصائصه التي بان بها منهم ومن غير هم. قد روى الناس ذلك فأكثروا، والذي صحَّ عندنا أنه لم يكن الأمر كما روي من تلك التعديدات الطويلة، ولكنه قال لهم ... أنشدكم الله، أفيكم أحدٌ آخى رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) بينه وبين نفسه حيث آخى بين بعض المسلمين وبعض غيري؟ فقالوا: لا. فقال: أفيكم أحدٌ قال له رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): من كنتُ مولاه فهذا مولاه غيري؟ فقالوا: لا» [شرح نهج البلاغة ج6 ص167].

إلى غيرها من المصادر الناقلة لاحتجاجه (عليه السلام) في يوم الشورى.

ثالثاً: احتجاجه في أيّام عثمان:

فقد روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أبان بن أبي عيَّاش، عن سُليم بن قيس الهلالي قال: «رأيتُ علياً (عليه السلام) في مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في خلافة عثمان وجماعة يتحدَّثون ويتذاكرون العلم والفقه، فذكرنا قريشاً وشرفها وفضلها وسوابقها وهجرتها وما قال فيها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من الفضل - إلى قوله - فأقبل القوم عليه فقالوا: يا أبا الحسن، ما يمنعك أنْ تتكلَّم؟ فقال: ما من الحيين إلَّا وقد ذكر فضلاً وقال حقاً، وأنا أسألكم يا معشر قريش والأنصار، بمن أعطاكم الله (عزَّ وجلَّ) هذا الفضل؟ أبأنفسكم وعشائركم وأهل بيوتاتكم أو بغيركم؟ قالوا: بل أعطانا الله ومن علينا بمُحمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وعشيرته لا بأنفسنا وعشائرنا ولا بأهل بيوتاتنا، قال: صدقتم يا معشر قريش والأنصار - إلى قوله (عليه السلام) - ثمَّ خطب الناس فقال: أيها الناس، أتعلمون أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قم يا علي فقمت، فقال: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه ...» [كمال الدين ص274].

رابعاً: احتجاجه في الكوفة:

1ـ روى أحمد بن حنبل بسنده عن زاذان أبي عمر قال: «‌سمعتُ ‌علياً ‌في ‌الرحبة وهو ينشد الناس: من شَهِد رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يوم غدير خم وهو يقول ما قال؟ فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وهو يقول: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه» [فضائل الصحابة ج2 ص585، المسند ج2 ص71].

2ـ وروى أبو عبد الرحمن النسائي بسنده عن زيد بن يثيع قال: «سمعتُ علي بن أبي طالب يقول على منبر الكوفة: ‌إني ‌منشد ‌الله ‌رجلاً ولا أنشد إلَّا أصحاب محمَّد (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) من سمع رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول يوم غدير خم: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه. فقام ستة من جانب المنبر وستة من الجانب الآخر فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول ذلك» [خصائص عليٍّ ص102، السنن الكبرى ج7 ص439].

خامساً: احتجاجه في يوم الجمل:

روى أبو عبد الله الحاكم بسنده عن رفاعة بن إياس الضبي، عن أبيه، عن جدِّه، قال: ‌«كنا ‌مع ‌عليٍّ ‌يوم ‌الجمل، فبعث إلى طلحة بن عبيد الله أنْ القني فأتاه طلحة، فقال: نشدتك الله، هل سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من ولاه، وعادِ من عاداه؟ قال: نعم، قال: فلِمَ تقاتلني؟ قال: لم أذكر، قال: فانصرف طلحة» [المستدرك على الصحيحين ج3 ص419].

سادساً: احتجاجه في حادثة الركبان:

روى الكشِّي (طاب ثراه) بسنده عن زر بن حبيش، قال: «خرج علي بن أبي طالب (عليه السلام) من القصر، فاستقبله ركبان متقلِّدون بالسيوف عليهم العمائم، فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا مولانا. فقال عليٌّ (عليه السلام) مَنْ هيهنا من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فقام خالد بن زيد أبو أيوب، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء، فشهدوا جمعياً أنهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: يوم غدير خم من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه. فقال عليٌّ (عليه السلام) لأنس بن مالك، والبراء بن عازب: ما منعكما أنْ تقوما فتشهدا فقد سمعتما كما سمع القوم؟ ثمَّ قال: اللهم إنْ كانا كتماها معاندة فابتلهما. فعُمي البراء بن عازب، وبرص قدما أنس بن مالك، فحلف أنس بن مالك أنْ لا يكتم منقبة لعليِّ بن أبي طالب ولا فضلاً أبداً، وأمَّا البراء بن عازب فكان يسأل عن منزله؟ فيقال: هو في موضع كذا وكذا، فيقول: كيف يرشد من أصابته الدعوة» [اختيار معرفة الرجال ج1 ص245].

ورويت قصَّة البراء وأنس بصورة أُخرى، فلاحظ: [أمالي الصدوق ص184، الخِصال ص219، إثبات الهداة ج3 ص451، نوادر الأخبار ص184، وغيرها].

نكتفي بهذا المقدار من ذكر احتجاج الأمير بحديث الغدير، لما فيه الكفاية لغير المعاند، كما هو واضح.

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) احتجَّ على الناس بحديث الغدير في أكثر من مكان وحادثة .. والحمد لله ربِّ العالمين.