شواهد علمية على حدوث العالم

السؤال: هل يمكن تقديم أدلةٍ واضحةٍ على حدوث العالم في الزمن؟ وهل يتعارض القول بأنَّ الطاقة لا تفنى مع فكرة حدوث العالم؟

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

قبل الإجابة عن هذا الإشكال، لا بد أوّلاً من توضيح مفهوم (الحدوث الزماني)، ثمّ نُثبت هذا المفهوم عقلاً بصورةٍ مجملةٍ، ونُتبع ذلك بذكر الشواهد العلمية التي تؤيّد أنّ العالم حادث، وأخيراً نجيب عن الإشكال القائل بأنَّ حدوث العالم يتعارض مع قانون بقاء الطاقة، فيقع الكلام في أمور:

الأمر الأول: الحدوث الزماني:

إنّ (الحدوث الزمانيّ) هو أن يُسبق وجود الشيء بعدمٍ زمانيّ، كما هو الحال في الزمان والمكان؛ إذ يكون الشيء معدوماً في وقتٍ ما ثمّ يُوجد بعده. ويقابله (القِدَم الزمانيّ)، وهو أن لا يُسبق الشيء بالعدم في الزمان.

وهذا النمط من الحدوث هو أساس برهان الحدوث عند المتكلّمين، حيث يرون أنّ كلّ ما سوى الله تعالى من الأجسام محدثٌ بحدوثٍ زمانيّ.

ويعتمد هذا البرهان في جوهره على إثبات تغيّر الأجسام بواسطة ما يسمّى بـ (الأكوان الأربعة)، وهي: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون. فالاجتماع هو اقتران جسمين في حيّزين لا يتخلّلهما جوهر، والافتراق هو انفصالهما بما يمكن أنْ يتخلّل بينهما جوهر، والحركة هي انتقال الجسم من حيّزٍ إلى حيّزٍ آخر، والسكون هو بقاء الجسم في حيّزه دون انتقال.

ولأنّ الأجسام لا تخلو من هذه الأكوان الأربعة، فهي بالضرورة متغيّرة، والتغيّر علامة الحدوث.

ومن هنا يُركّب المتكلّمون قياساً منطقيّاً لإثبات حدوث الأجسام، كما يأتي:

الصغرى: الجسم لا يخلو من الحوادث (أي من التغيّر بأحد الأكوان الأربعة)؛ الكبرى: وكلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ النتيجة: إذاً كلّ جسمٍ حادث.

ويقوم هذا القياس على ثلاث دعاوى مترتّبة:

الأولى: الحوادث موجودةٌ، وهي متمثّلة في الأكوان الأربعة. والثانية: الأجسام لا تخلو من هذه الحوادث، وهذا يثبت عقلاً وحسّاً، فلا جسم يخلو من حركةٍ أو سكونٍ أو غيرهما.

والثالثة: كلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؛ لأنّ الحوادث كلّها معدومةٌ في الأزل، ولا واسطة بين القِدَم والحدوث، فإمّا أن يكون الشيء قديماً أو حادثاً. وباجتماع هذه الدعاوى، تَثبت المقدّمة الأولى من برهان الحدوث، وهي أنّ جميع الأجسام حادثة، [للمزيد ينظر مقال منشور في مركزنا بعنوان: إثبات الصانع من خلال برهان الحدوث].

الأمر الثاني: الشواهد العلميّة على حدوث العالم:

ونكتفي بذكر شاهدين على حدوث العالم:

الشاهد الأوّل: من أبرز الأدلّة العلميَّة الدالة على حدوث الكون، والتي تكاد تكون قاطعةً في دلالتها، ما يقدّمه القانون الثاني في الديناميكا الحراريّة. هذا القانون يثبت أنّه لا يمكن أنْ يكون وجود الكون أزليّاً، فهو يصف لنا أنّ الحرارة تنتقل دائماً من الجسم الأكثر حرارةً إلى الجسم الأقلّ حرارةً، والعكس غير ممكن.

وبناءً على هذا الكشف العلميّ، فإنّ اتّجاه الكون نحو التوازن الحراريّ يزداد يوماً بعد يوم، ولا بدّ من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينذاك لا تبقى أيّة طاقةٍ مفيدةٍ للحياة والعمل، وسيترتب على ذلك أنْ تنتهي العمليَّات الكيماويّة والطبيعيّة.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة القائلة بأنَّ العمليات الكيماويّة والطبيعيّة جارية، وأنّ الحياة قائمةٌ، يثبت لدينا قطعاً أنَّ الكون ليس بأزلي؛ إذ لو كان الكون أزليّاً لكان من اللازم أنْ يفقد طاقته منذ زمنٍ بعيدٍ بناءً على هذا القانون، ولَمَا بقي في الكون بصيصٌ من الحياة.

وقد أكّد هذه النتيجة عددٌ من العلماء، منهم العالم الأمريكيُّ في علم الحيوان إدوارد لوثر كيسل، الذي قال: (وهكذا أثبتت البحوث العلميّة دون قصد: أنّ لهذا الكون بدايةً، فأثبتت تلقائيّاً وجود الإله؛ لأنّ كلّ شيءٍ ذي بدايةٍ لا يمكن أنْ يبتدئ بذاته، ولا بدّ أنْ يحتاج إلى المحرّك الأولى الخالق الإله).

ونجد مثل هذا في كلام السير جيمس؛ إذ يقول في كلام له :(تؤمن العلوم الحديثة بأنّ عمليّة تغيّر الحرارة سوف تستمرّ حتّى تنتهي طاقاتها كليّةً، ولم تصل هذه العملية حتّى الآن إلى آخر درجاتها؛ لأنّه لو حدث شيءٌ مثل هذا لَمَا كنّا الآن موجودين على ظهر الأرض حتّى نفكّر فيها. إنَّ هذه العملية تتقدم بسرعةٍ مع الزمن، ومن ثمّ لا بدّ لها من بداية، ولا بدّ أنّه قد حدثت عمليّة في الكون، يمكن أنْ نسمّيها خلقاً في وقتٍ ما، حيث لا يمكن أنٍ يكون هذا الكون أزليّاً) [ينظر: صراع مع الملاحدة ص97-98].

ويقول كريغ في تقرير هذا الدليل: (إنّ العمليات داخل نظامٍ مغلقٍ تميل دوماً إلى التوازن الحراريّ. وبما أنّ الكون بأسره يُعدّ نظاماً مغلقاً، لأنّه لا يتلقّى طاقة من خارج حدوده، فإنّ من اللازم - إنْ أُتيح له وقتٌ كافٍ - أنْ يصل في النهاية إلى حالة التوازن الحراريّ، وهي ما يُعرف بـ(موت الكون الحراريّ)، والذي قد يكون بارداً أو حاراً، بحسب مصير التمدد الكوني.

فإن كان الكون ذا كثافةٍ عاليةٍ كافيةٍ لكبح التمدد، فسوف ينكمش في النهاية ويُضغط إلى كرةٍ ناريةٍ هائلةٍ، تتسارع فيها احتراقات النجوم حتّى تتفجّر أو تتبخر، وتبتلع الثقوب السوداء كلّ ما حولها حتى لا يتبقى سوى ثقبٍ هائلٍ يشمل الكون كلّه، ولا يعود شيءٌ بعده.

أمّا إذا كانت الكثافة غير كافيةٍ لكبح التمدد - وهو الاحتمال الأرجح - فإنّ المجرّات ستستنفد غازها، وتحترق النجوم وتفنى، ليصبح الكون بعد 10 ³⁰ سنة مكوّناً من 90٪ نجوم ميتة، و9٪ ثقوب سوداء هائلة، و1٪ مادة ذرية. وبعد 10 ¹⁰⁰ سنة ستتفكك الثقوب السوداء إلى إشعاعاتٍ وجسيماتٍ أوليّةٍ، فيتحوّل الكون إلى فراغٍ باردٍ ومظلمٍ، مليءٍ بغازٍ بالغ التخلخل، تحكمه حالةٌ من الركود النهائيّ والتوازن الثابت، دون تغييرٍ أو تجدّدٍ.

وبغضّ النظر عن المسار الذي يسلكه الكون، سينتهي إلى حالٍ غير الحالة الراهنة. وهذا الأمر يُثير سؤالاً: لو كان الكون أزليّاً بلا بداية، فلماذا لم يصل إلى تلك الحالة النهائيّة من التوازن بعدُ؟! إنّ هذا يدلّ على أنّ للكون بداية) [ينظر: كريغ و برهان الحدوث، الفصل الرابع].

والشاهد الثاني: الانفجار العظيم، واتساع الكون، من أبرز الشواهد العلميّة الدالّة على حدوث الكون ووجود لحظة ابتداءٍ له، وهذا ما كشفت عنه نظرية الانفجار العظيم، التي تُعدّ من أهم الإنجازات العلميّة في العصر الحديث. فهذه النظرية تقرّر أنّ للمادة والطاقة والزمان بدايةً محدّدةً، وقد احتاجت هذه النظريّة سنواتٍ طويلةً حتّى تُقبل وتُعتمد في الأوساط العلميّة، وكان أوّل مؤشرٍ بارزٍ يدعمها هو اكتشاف تمدّد الكون الذي توصل إليه الفلكي الشهير إدوين هابل، و الذي بدوره يدلّ على حدوث العالم.

يقول الفيزيائي جون جريبين: (في عام 1929م، أجرى إدوين هابل ملاحظاتٍ فلكيةً محوريّةً، فقد لاحظ أنّ المجرات البعيدة تتحرّك مبتعدةً عنّا بسرعاتٍ هائلةٍ، ممّا يعني أنّ الكون في حالة تمدد. وإذا كان الكون يتمدد الآن، فإنّ هذا يعني أنّه كان في الماضي أكثر تقارباً. والحقيقة أنّ جميع المادة والطاقة كانت - قبل حوالي عشرة إلى عشرين مليار سنة - متركزةً في نقطةٍ واحدةٍ، بلغت فيها الكثافة حداً لا متناهٍ. وهذا هو الاكتشاف الذي أدخل مسألة بداية الكون إلى ساحة البحث العلميّ الجاد) [المجرّات مقدّمة قصيرة جدًا ص34-38].

نقل كريغ عن ريتشارد غوت قوله: (لقد بدأ الكون من حالة كثافةٍ وغلظـةٍ غير متناهية، ومن هذا الانفجار نشأ الزمان والمكان وكلّ مادة الكون. ومن ثمّ لا معنى لأن يُسأل: ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟ فهذا كمن يسأل: ماذا يوجد إلى الشمال من القطب الشمالي؟ كما أنّ السؤال عن مكان وقوع الانفجار العظيم لا معنى له أيضاً، لأن الكون النقطي لم يكن شيئاً منفصلاً داخل الفضاء، بل كان هو الكون كلّه؛ ولذلك لا يمكن القول إلّا أنّ الانفجار العظيم قد وقع في كلّ مكان. إنّ الكثافة غير المتناهية تعني أنّ الكون كان في نقطةٍ لا أبعاد لها، لأنّ افتراض وجود أيّ بُعدٍ يمنع وصول الكثافة إلى اللانهاية؛ ولهذا، وكما يقول فريد هويل، الفلكيُّ من جامعة كامبردج: (يرجع الكون إلى قلب لا شيءٍ في لا شيء). وإذا صحّت هذه النظرية، فإنّها تدلّ بوضوح على أنّ للكون نقطة بداية، وأنّ المادة ليست أزليّة) [كريغ و برهان الحدوث، الفصل الثالث].

وقد أشار إلى هذه الحقيقة العالم كريسي موريسون، قائلاً: (تشير الأدلّة الكيميائيّة وغيرها من العلوم إلى أنّ بداية المادّة لم تكن تدريجيّة، بل ظهرت فجأة. وتستطيع العلوم تحديد لحظة نشأة هذه المواد، ممّا يدلّ على أنّ الكون الماديّ مخلوق) [العلم يدعو إلى الإيمان ص95].

وقد بدأ الفلكيون منذ أوائل القرن العشرين بتحليل الأطياف الضوئيّة الصادرة عن النجوم والمجرّات، فلاحظوا أنّ هذه الأطياف تنزاح نحو اللون الأحمر، وهي علامة تدلّ على أنّ تلك الأجسام تبتعد عن الأرض. يقول استيفن هوكنغ: (كان من المدهش أنْ نجد معظم المجرّات تظهر إزاحةً حمراء، أي أنَّها تتحرك مبتعدةً عنا. والأكثر إدهاشًا كان اكتشاف هابل عام 1929 أنَّ مقدار هذه الإزاحة يتناسب طردياً مع بعد المجرة عنا، مما يعني أن كلما كانت المجرة أبعد، كانت سرعتها في الابتعاد أكبر. وهذا الاكتشاف أثبت – من حيث لم يُقصد – أن للكون بداية، وكل ما له بداية لا بد له من مبدئ).

وبما أنّ الكون في تمدّدٍ مستمرٍّ، فإنّ السير بعكس هذا التمدد - أي العودة إلى الوراء في الزمن - يقودنا منطقيّاً إلى نقطة بدايةٍ كان فيها الكون منكمشاً في كتلةٍ واحدةٍ صغيرةٍ للغاية. هذه الكتلة لم يكن لها حجمٌ فعليّ، بل كانت نقطةً ذات حجمٍ صفريّ وذات كثافةٍ وحرارةٍ هائلتين. ومن منظور الفيزياء، فإن الحجم الصفريّ يُعادل العدم، أي أنّ الكون نشأ من لا شيء، وهذا يشكّل دليلًا صارخاً على الخلق والإيجاد من العدم.

يقول الفيزيائيّ إدموند ويتيكر فيقول: (ليس هناك ما يُجبرنا على افتراض وجود مادّةٍ أو طاقةٍ قبل الانفجار العظيم، ولا ما يميّز تلك اللحظة عن سائر لحظات الأزل، بل الأبسط أنْ نفترض خلقاً من العدم، بإرادةٍ إلهيّةٍ أوجدت الكون.)، ويصل إدوارد ميلن إلى استنتاجٍ مماثلٍ حين يقول:(أمّا العلة الأولى لتمدّد الكون، فإنّ إضافتها أمرٌ لا غنى عنه، ولا تكتمل الصورة إلا بوجود الله.) [ينظر: جريدة زمان التركيَّة، مقال: حدوث الكون حقيقة قررها الدين وأثبتها العلم].

لقد شكّل هذا التصوّر - أي حدوث الكون وخلقه من العدم - صدمةً للفكر المادي الإلحادي، حتّى أن الفيلسوف الشهير أنطوني فلو، الذي كان من رموز الإلحاد، قال في مقولةٍ مشهورةٍ تنسب إليه: (يقولون: إنّ الاعتراف يفيد الإنسان من الناحية النفسَّية. سأقول باعتراف: إنَّ نموذج مقترح شيءٍ محرجٍ للغاية بالنسبة للملحدين، لأن العلم الأساسي فكرةٌ جيدةٌ تمارسها الكتب الدينيَّة... فكرة أنْ تكون بداية).

الأمر الثالث: معارضة الحدوث مع قانون بقاء الطاقة:

قانون الديناميكا الحراريّة الأوّل لا يدلّ بأيّ حالٍ من الأحوال على أزليّة الكون. فهذا القانون – ببساطة - يُفيد بأنّ المادة والطاقة لا تُستحدث من العدم ولا تفنى، بل تتحوّل من شكلٍ إلى آخر. وهو يُطبق فقط ضمن إطار نظامٍ مغلق، كونه يُفترض أنّ الكون هو كلّ ما يوجد، وبالتالي لا شيء خارجه يمكن أنْ يؤثّر عليه بزيادةٍ أو نقصانٍ في كمية المادة أو الطاقة.

وأمّا الإشكال القائل بأنّ حدوث العالم يتعارض مع قانون بقاء الطاقة، فالجواب عنه: بأنّ القانون لا يتطرّق إلى أصل الكون أو ما إذا كان له بداية أو لا. فمثلاً: إذا وضعت كمية من الماء الساخن داخل وعاء مغلق ومعزول حراريّاً، فإنّ درجة حرارة الماء لن تتغيّر، وستبقى الطاقة ثابتة داخله. ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ هذا الماء كان موجوداً منذ الأزل، بل فقط أنّه لا يفقد أو يكتسب طاقة ضمن هذا النظام المغلق.

وبالتالي، ربط قانون الديناميكا الحراريّة الأوّل بأزلية الكون هو مغالطةٌ منطقيّةٌ. كما أنّ افتراض أزليّة الكون يؤدّي إلى تناقضاتٍ عقليَّةٍ وعلميّة، مثل تلك التي تمّ عرضها. فلو كان الكون أزليّاً، لكان قد استنفد طاقته منذ زمنٍ لا نهائي، وهو ما لا يتوافق مع الواقع الذي نشهده اليوم.