هل طوفان نوح (ع) أسطورة؟

السؤال: العلماء يرون أنّ قصص الطوفان - مثل نوحٍ أو جلجامش - قد تكون مستوحاةً من فيضاناتٍ إقليميّةٍ كبيرةٍ، مثل فيضان نهري دجلة والفرات في بلاد الرافدين، أو ارتفاع منسوب البحر الأسود، هذه الأحداث كانت مدمّرةً بما يكفي لتُسجّل في الذاكرة الشعبيّة وتتحوّل إلى أساطير.

: الشيخ ضرغام المسعودي

الجواب:

في بادئ الأمر لا بُدّ أنْ يعرف القارئ بأنّ طرح مثل هذه الإشكالات ونشرها في الكتب ووسائل التواصل الاجتماعيّ - وإنْ لم تُوجّه بصورةٍ مباشرةٍ نحو الكتب السماويّة المنزّلة على الأنبياء (ع) - لا ينبغي أنْ نتصوّر أنّها مجرّد فرضيّاتٍ علميّةٍ مطروحةٍ للبحث والنقّاش، وإنّما الغرض من ورائها ترتيب لوازم خطيرةٍ عليها، فهي جزءٌ من الحملات المنظّمة التي تشنّها الجماعات العلميّة الملحدة ضدّ الدين الإسلاميّ بأساليبها المتنوّعة.

فإذا تقرّر ذلك، فإنّ ما طُرِحَ في هذا السؤال سنضعه في خانة تلك الحملات؛ وذلك لأنّ صياغة قصّة الطوفان في الأساطير القديمة، كما في ملحمة جلجامش، بادّعاء أنّها مستوحاةٌ من فيضاناتٍ إقليميٍّة كبيرة، مثل فيضان نهري دجلة والفرات في بلاد الرافدين، يلزم منه لازمٌ خطيرٌ حاصله: أنّ القرآن قد استقى روايته من تلك الأساطير، وأنّها ليست وحياً إلهيّاً.

لكنّ هذا الاستنتاج غير دقيقٍ، ويمكن الردّ عليه من عدّة وجوه:

أوّلاً: وجود القصّة في الأمم السابقة لا يدلّ على كذبها، بل يُعزّز مصداقيتها:

إنّ الطوفان إذا كان بهذا الحجم والانتشار، فمن الطبيعي أنْ تترك آثاره في الذاكرة الجمعيّة للأمم التي عاصرته أو تناقلت خبره، وظهور رواياتٍ عن الطوفان في حضاراتٍ متعدّدة لا يدلّ على الخرافة، بل يدلّ على أنّ أصل الواقعة حقيقيّ، وإنْ تعرّض لاحقاً لتحريفات، كالمبالغة أو الإضافات، كما هو الحال في الكثير من الوقائع التاريخيّة التي تخرج عن إطارها الأصليّ بمرور الزمن.

وثانياً: الطوفان لم يُذكر في أساطير بلاد الرافدين فقط، بل في ثقافاتٍ متعدّدةٍ ومنتشرةٍ:

قصّة الطوفان وردت في تراث حضاراتٍ شتّى؛ من مصر القديمة، والهند، والصين، واليونان، وفارس، وجزر هاواي، وحتّى في حضارات الإسكندنافيين (الفايكنغ) والأمريكتين قبل اكتشافها. وهذا الانتشار الواسع عبر أممٍ لا رابط حضاريّاً بينها، ولا تواصلاً معرفيَّاً، يُعدّ دليلاً قويّاً على وقوع الحدث نفسه، لا على اختلاقٍ مشتركٍ أو نقلٍ متسلسلٍ؛ إذ يستحيل عقلاً وعلميّاً أنْ تتواطأ أممٌ متباعدةٌ زمنيّاً ومكانيّاً على قصّةٍ وهميّةٍ واحدةٍ، كما أشار إلى ذلك المؤرّخ المعروف ويل ديورانت في كتابه [قصّة الحضارة ج1 ص348]؛ حيث أقرّ بأنّ جميع الأمم القديمة أشارت في تراثها إلى حادثة الطوفان.

وثالثاً: هناك شواهدُ أثريّةٌ تؤيّد وقوع الطوفان:

بعض علماء الآثار نقلوا وجود آثارٍ وشواهد ماديّةٍ تدعم فكرة وقوع طوفانٍ عالميّ، وقد وثّق ذلك عددٌ من الباحثين، كما ورد في المصادر الأثرية في [قصّة الحضارة ج1 ص154].

ورابعاً: التحريف لا يُبطل أصل الواقعة:

وجود رواياتٍ مغلوطةٍ أو تفاصيل مضافة - من خيالٍ أو غلوٍّ - لا يعني أنّ أصل القصّة مختلقٌ، بل إنّ تحريف الوقائع ظاهرةٌ معروفةٌ حين لا تُصنّف وتُحفظ بطريقةٍ صحيحةٍ، وهذا ما حصل مع بعض الكتب السماويّة الأخرى، كالتوراة؛ حيث دخلت فيها عناصر بعيدةٌ عن الأصل. فالمهمّ هو تحديد الرواية الصحيحة، لا أصل الحدث؛ إذ إنّ اتفاق الأمم على أصل الواقعة أمرٌ حاصلٌ، أمّا نسبتها لشخصيّاتٍ معيّنةٍ أو عرضها بصيغٍ مختلفةٍ، فهو محلّ بحثٍ وتدقيقٍ.

وخامساً: الرواية القرآنيّة خاليةٌ من التحريف والأساطير، وتحمل طابع الإعجاز والاتّزان:

فالقرآن الكريم يقدّم قصّة الطوفان في إطارٍ عقلانيٍّ متماسكٍ، دون خرافاتٍ أو عناصر خياليّةٍ، ويؤكّد أنّها كانت آيةً للعالمين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15]. أي أنّ هذه الحادثة بقيت محفوظةً ومعروفةً لدى الشعوب باعتبارها عبرةً للبشريّة. وهذا يفسّر لنا كيف أنّ حضاراتٍ من الهند إلى الأزتك في أمريكا الوسطى - وهي معزولةٌ جغرافيّاً وزمانيّاً عن بعضها- احتفظت برواياتٍ متقاربةٍ عن الطوفان، وكأنّ هذه القصّة قد نقشت في الوجدان الإنسانيّ بشكلٍ يصعب إنكاره أو تجاوزه.

وسادساً: النبي محمّد (ص) لم يكن لديه طريق لمعرفة هذه الروايات عالمياً:

النبيّ الأكرم (ص) لم يكن له اطّلاع على تراث الحضارات البعيدة، كحضارات أمريكا الجنوبيّة أو الصين أو هاواي، ولم تكن هناك مصادر عربيّة أو إقليميّة تنقل هذه التفاصيل، فظهور هذه القصّة في القرآن الكريم بهذا العرض الدقيق المتّزن، يُثبت أنّها وحيٌ إلهيٌّ، لا مجرّد استلهامٍ من الأساطير.

ثم حتّى لو لم نسلّم بذلك كلّه، فإن أخذنا بمنهج الاحتمالات في مناقشة القضيّة لإقناع المنكرين، فإنّ كفّة وقوع الطوفان تميل بثقلها إلى جانب الإثبات؛ إذ تشير القرائن التاريخيّة والدينيّة والأسطوريّة إلى احتمالٍ كبيرٍ لوقوع هذا الحدث الجليل، بما لا يترك للمنكر سوى أنْ يُذعن أمام رجحان الأدلّة وتوافق الشهادات، وإذا ما أُقرَّ بحدوث الطوفان، فذلك يعني أنّ البشريّة انطلقت بعده في طورٍ جديدٍ من الحياة، وانبثقت من رحم هذه النجاة أولى بذور الحضارة الإنسانيّة.

جاء في القرآن الكريم: أنّ سبب الطوفان كان كفر الناس وفسادهم في الأرض، وقد ذكر السيّد الطباطبائيُّ (قدّس سرّه) - ناقلاً عن تفسير المنار -: أنّ قصّة نوحٍ في القرآن تتفق مع أغلب الروايات القديمة في أنّ الطوفان كان عقوبةً إلهيّةً على الفساد والطغيان. كما يربط الطباطبائيّ بين هذه الرواية، وما ورد في سفر التكوين، وما نقله الكلدانيُّون، من أنّ جيلاً من الجبابرة طغوا في الأرض، فعاقبهم الله بطوفانٍ شاملٍ.

وتتعدّد الشهادات في هذا السياق: فقد روى اليونان على لسان أفلاطون: أنّ كهنة المصريّين أخبروا سولون بأنّ السماء أرسلت طوفاناً هائلاً غيّر وجه الأرض. وذكر المؤرخ مانيتون طوفاناً وقع بعد عهد هرمس الأوّل، أي قبل زمن التوراة. أمّا الإغريق، فقد أوردوا رواية عن "دوكاليون" وزوجته "بيرا" اللذين نجيا من طوفان عمّ الأرض كلّها. وتحدّث الفرس عن طوفان أهلك الأرض بفعل "أهريمان" إله الشر. في حين تؤكّد أساطير الهند أنّ الأرض اجتاحها الطوفان سبع مرات، نجا في آخرها الملك مع زوجته داخل سفينة صنعها بأمر الإله "فشنو"، واستقرت على جبل الهملايا [ينظر تفسير الميزان ج10 ص257–259].

وكذلك يرى الباحث منصور عبد الحكيم: أنّ هذا التشابه الكبير بين الروايات القديمة يرجّح أن قصّة الطوفان القرآنيّة هي الأصل، وهي الرواية الوحيدة الدقيقة، لأنّها تؤكّد أنّ السبب هو عقابٌ إلهيٌّ بسبب سلوك البشر، وهو ما تتفق عليه كلّ الأساطير تقريباً. [ينظر طوفان نوح (ع) في القرآن والأساطير القديمة ص173].

وفي الختام نقول: إنّ قصّة الطوفان، رغم ما يبدو من طابعها الأسطوريّ في بعض المصادر، تظلّ واحدةً من أكثر القصص رسوخاً في ذاكرة الإنسانيّة، وتشابه هذه الرواية بين شعوبٍ شتّى، مع اتّفاقهم على التفاصيل الجوهريّة، يمنحها بعداً تاريخيّاً يتجاوز مجرّد الرمز أو الخيال، وظهورها في القرآن الكريم بهذا الشكل المتقن والعميق - يجعل منها شاهداً على الحقيقة، ووسيلةً لفهم العلاقة بين الإنسان وخالقه، وعبرةً تتكرّر كلّما طغى البشر في الأرض.