إمامة النبي محمد (ص)

السؤال: هل رسول الله (ص) إمام؟ وإذا كان كذلك لما حصرت الإمامة باثني عشر؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب: 

يقع الكلام في المقام في شقين:

الشق الأول: إمامة رسول الله (ص):

مما لا مرية فيه ولا شائبة تعتريه أنَّ رسول الله (ص) حائزٌ على مقام الإمامة الإلهيَّة؛ بل هو سيد الأئمة وذلك بالأولويَّة القطعيَّة، وإليك بعض ما ينبّه عليها:

أولاً: أفضلية رسول الله (ص) على سائر الخلق قاطبة:

نصَّت الروايات الكثيرة على أنَّ رسول الله (ص) أفضل الخلق قاطبة بما فيهم الأنبياء والمرسلون، والملائكة المقربون، فجميعهم دونه في الفضل. وعليه، فهو حائزٌ على جميع المقامات التي حازوا عليها، والتي منها الإمامة وزيادة. 

روى الصدوق عن الإمام الرضا (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «قال رسول الله (ص): ما خلق الله (عزَّ وجلَّ) خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني. قال علي (ع): فقلتُ: يا رسول الله، فأنت أفضل أو جبرئيل؟ فقال (ع): يا عليُّ، إنَّ الله تبارك وتعالى فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا عليُّ وللأئمة من بعدك» [عيون أخبار الرضا ج2 ص237]. 

وروى الكلينيُّ عن أبي الحسن الأول (ع) قال: «قلتُ له: جُعِلتُ فداك، أخبرني عن النبيّ (ص) ورث النبيين كلهم؟ قال: نعم. قلتُ: من لدن آدم حتى انتهى إلى نفسه؟ قال: ما بعث الله نبيَّاً إلَّا ومحمدٌ (ص) أعلم منه، قال: قلت: إنّ عيسى ابن مريم كان يُحيى الموتى بإذن الله. قال: صدقت وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطير وكان رسول الله (ص) يقدر على هذه المنازل..« [الكافي ج1 ص226].

والأخبار المتضمنة لهذا المعنى - أيْ: أفضليَّة رسول الله (ص) على سائر الخلق - أكثر من أنْ تحصى، وهي من المسائل التي أجمع عليها أهل القبلة، وتكاد تكون من البديهيات عند عوام المسلمين فضلاً عن الخواص. 

يقول الشيخ الصدوق (ره): (سادة الأنبياء خمسة الذين عليهم دارت الرحى، وهم أصحاب الشرائع، وهم أولو العزم: نوح، إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين. وإنَّ محمداً سيدهم وأفضلهم، وإنَّه جاء بالحق وصدّق المرسلين.. ويجب أنْ نعتقد أنَّ الله تعالى لم يخلق خلقاً أفضل من محمد (ص)..) [الاعتقادات ص92ـ93]. 

ويقول ابن كثير: (هو (ص) أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة..) [تفسير ابن كثير ج1 ص255].

ثانياً: حاكميَّة رسول الله (ص) على إمامة الأئمة (ع):

رسول الله (ص) حاكمٌ على إمامة الأئمة (ع)، فهو إمامهم وقائدهم ومفزعهم ومعلمهم ومؤدبهم، وهم (ع) بمنزلة العبيد له (ص)، ومن كان للأئمة كذلك فهو بالأولويّة حائزٌ على مقام الإمامة الإلهيّة، بل هو سيد الأئمة. 

روى الصفار عن عبد الله بن هلال قال: قال أبو عبد الله (ع): «علم رسول الله (ص) علياً (ع) ألف باب كل باب فتح له ألف باب» [بصائر الدرجات 323]. 

وفي وصية أمير المؤمنين (ع) لكميل بن زياد قال: «يا كميل، إنّ رسول الله أدَّبه الله (عزَّ وجلَّ) وهو أدّبني، وأنا أؤدّب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين..» [بشارة المصطفى ص51]. 

وروى الكلينيُّ عن أبي عبد الله (ع)، عن أمير المؤمنين (ع): «إنّما أنا عبد من عبيد محمد (ص)..» [الكافي ج1 ص90]. 

وروى أيضاً عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «أتى العباس أمير المؤمنين (ع) فقال: يا عليُّ، إنّ الناس قد اجتمعوا أنْ يدفنوا رسول الله (ص) في بقيع المصلى وأنْ يؤمّهم رجلٌ منهم، فخرج أمير المؤمنين (ع) إلى الناس فقال: يا أيُّها الناس إنَّ رسول الله (ص) إمام (إمامنا) حياً وميتاً وقال: إنّي أدفن في البقعة التي أقبض فيها، ثم قام على الباب فصلى عليه، ثم أمر الناس عشرةً عشرةً يصلون عليه ثم يخرجون» [الكافي ج1 ص451].

وروى العياشيُّ عن بشير الدهان عن أبي عبد الله (ع) أنّه قال: «أنتم - والله - على دين الله ثم تلا: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}، ثم قال: علي إمامنا، ورسول الله (ص) إمامنا، كم من إمامٍ يجئ يوم القيمة يلعن أصحابه ويلعنونه، ونحن ذرية محمد وأمنا فاطمة صلوات الله عليها» [تفسير العياشي ج2 ص303].

وروى ابن شهر آشوب عن الإمام الصادق (ع) أنَّه قال: «ألا تحمدون الله إذا كان يوم القيامة يدعى كلّ قومٍ إلى من يتولونه، وفزعنا إلى رسول الله، وفزعتم أنتم الينا، فإلى أين ترون أنْ نذهب بكم؟ إلى الجنَّة وربّ الكعبة - قالها ثلاثاً -» [مناقب آل أبي طالب ج2 ص264].

ثالثاً: آية الإمامة الإبراهيميَّة:

نصت الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]، على أنَّ عهد الإمامة الإلهيَّة لا يناله من ذريّة إبراهيم (ع) الظالمون، أي إلّا مَن كانت نفسه صالحة وذاته كاملةً تامة؛ فإنَّ نبي الله إبراهيم (ع) لم ينالها إلا بعد النبوة والخلة والكمال وطول المجاهدة، والمصداق الأبرز والفرد الأتم من ذرية ابراهيم (ع) لهذا المنصب هو نبيّنا (ص)؛ فتثبت له الإمامة بالأولوية على غيره.

الشق الثاني: حصر الإمامة باثني عشر:

وأما حصر الإمامة باثني عشر، فالمقصود منه أنّ الأئمة بعد النبيّ (ص) محصورون باثني عشر؛ كما عليه إجماع الطائفة المحقة، والروايات المتواترة. 

منها: ما رواه الصدوق بسنده عن الإمام جعفر بن محمد عن آبائه (ع) عن رسول الله (ص) أنه قال: «الأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، فهم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمتي بعدي...» [من لا يحضره الفقيه ج4 ص180]. 

وليس المقصود من ذلك نفي الإمامة مطلقاً عمّن عداهم (صلوات الله عليهم) البتة؛ إذ من المعلوم أنَّ رسول الله (ص) إمام، بل سيد الأئمة، وجملة من الأنبياء السابقين كانوا أئمة أيضاً، وقد ورد النصّ القرآنيّ على أنّ النبيّ إبراهيم (ع) نال مقام الإمامة، قال الله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]. 

نعم، لم يشتهر رسول الله (ص) بوصف الإمام؛ حيث تميّز بوصف النبيّ والرسول، كما عليه خطاب القرآن الكريم وجري المسلمين، كما اشتهر نبي الله ابراهيم (ع) بوصف خليل الله تعالى، وموسى (ع) بكونه كليم الله تعالى، وعيسى (ع) بروح الله تعالى، علماً أنّ النبيَّ (ص) أيضاً حائزٌ على كل تلك المزايا والكمالات.