علّة تأخير الثأر الحسينيّ إلى آخر الزمان

السؤال: لماذا أخّر الله تعالى الثأر للإمام الحسين (ع) حتّى يظهر الحجة (عجّل الله فرَجه)؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم

هنالك عدّة عوامل تحدو بنا صوب تغيير صيغة السؤال المذكور، لعلّ من أبرزها: أنّ ملاكات العلل التكوينيّة والتشريعيّة جميعاً منحصرة بيده تعالى وليس للعباد الإحاطة بشيء منها إلّا ما شاء الله الكشف عنه لخاصّة أوليائه؛ وعليه فليكن سؤالنا بالشكل التالي: (ما هي الحكمة من تأخير الثأر الحسينيّ حتّى ظهور الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه الشريف)؟). وفي مقام الإجابة نقول: 

نحن تارة ننظر لقضيّة الثأر الحسينيّ بوصفها مسألة شخصيّة، ومثل هذا الثأر قد قَيّضَ الله تعالى له من ينهض بأعبائه بعد واقعة الطفّ بوقت قصير نسبيّاً، حيث لاحق المختار الثقفيّ (رضوان الله عليه) قتلة الحسين (عليه السلام) وأجهز على الكثير منهم؛ أمثال عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وحرملة بن كاهل الأسديّ وشمر بن ذي الجوشن وغيرهم (عليهم جميعاً لعائن الله).

لكن من الواضح أنّ تأطير الثأر الحسينيّ بهذا الإطار الضيّق أمر منافٍ للعدل والإنصاف وما يقضي به الوجدان، فإنّ مقتله (عليه السلام) لم يكن لأسباب شخصيّة، وإنّما يرجع إلى أسباب رساليّة ودينية وعقائديّة محضة، فهو يقع ضمن سلسلة حلقات الصراع المستمرّ بين حزب الله وحزب الشيطان؛ ولذا روى ابن قولويه القميّ بإسناده عن أبي بصير عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] قال: «الحسين بن علي (عليه السلام) منهم، ولم يُنصر بعد، ثمّ قال: والله لقد قُتل قَتَلَةُ الحسين، ولم يُطلب بدمه بعد»[كامل الزيارات ص134]. 

وإذن: فلابدّ من النظر إلى تلك النهضة بوصفها امتداداً طبيعيّاً لرسالات السماء، وأنّ شأن الحسين (عليه السلام) ومقتله فيها شأن الأنبياء والمرسلين الذين قُتِلوا بسبب أدائهم لوظائفهم الرساليّة: من الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإشادة الدين وإماتة البدع، وإقامة العدل ومحاربة الظلم والفساد، وإحقاق الحقّ ودحض الباطل؛ وبالتالي فلابدّ أن يكون الثأر له (عليه السلام) بمستوىً يتناسب وطبيعة ذلك الصراع كمّاً وكيفاً، ويوازي مستوى التضحيات، ويكون القصاص فيه متلائماً مع أبعاد الجريمة التي ارتكبت في كربلاء وما تلاها، كما لابدّ وأن تؤدّي نتائج ذلك الثأر إلى تحقيق أهداف تلك النهضة المباركة؛ فإنّ نهضة الحسين (عليه السلام) لم تكن بوجه يزيد بن معاوية بوصفه حاكماً مغتصباً للخلافة، بل باعتباره رمزاً يمثّل جميع الطغاة والظلمة على مرّ العصور، وقائداً لحزب الشيطان وحاملاً لراية الفساد والضلال في الأرض. بناءً على ذلك، اقتضت الحكمة الإلهيّة تأخير الثأر الحسينيّ إلى زمن قيام دولة العدل الإلهيّ التي تكون آخر الزمان في هذه النشأة. 

والنصوص المستفيضة تصرّح أنّ قضيّة الثأر الحسينيّ هو من شؤون الله الخاصّة، فهو تعالى وليُّ الدم فيه؛ ولذا في الزيارة تقول: «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره»، وقد أناط مهمّة المباشَرة لهذا الثأر بخاتم الأوصياء الإمام المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ووعد بنصرته على جميع أعدائه، فأصبح ذلك الثأر من أهمّ تكاليفه الحصريّة وأبرزها على الإطلاق؛ لذا جاء في دعاء الندبة: «أين الطالب بدم المقتول بكربلاء»، فهو الذي سيقتل رموز الفساد والضلال على مرّ العصور، كما سيمحو وجود حزب الشيطان عن جديد الأرض، وبذلك فقط وفقط يكون قد انتصف للحسين وأخذ بثأره. 

ومن تلك النصوص الصريحة: 

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33]، فقد روى العياشيّ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «هو الحسين بن عليّ (عليه السلام) قُتل مظلوماً ونحن أولياؤه، والقائم منّا إذا قام منّا طلب بثأر الحسين» [تفسير العياشيّ ج2 ص290، وينظر: الكافي ج8 ص255، كامل الزيارات ص135].

وروى الشيخ الكلينيّ والشيخ الطوسيّ عن محمّد بن حمران، قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لَمَّا كان من أمر الحسين بن عليّ ما كان، ضجّت الملائكة إلى الله تعالى، وقالت: يا ربّ يُفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك؟ قال: فأقام الله لهم ظلَّ القائم (عليه السلام) وقال: بهذا أنتقم لهذا» وفي لفظ آخر: «بهذا أنتقم له من ظالميه» [الكافي ج1 ص465، أمالي الطوسي ص418].

وروى الشيخ الصدوق عن أبي حمزة الثماليّ، في حديثٍ طويل له مع أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «... فقلت: يا ابن رسول الله، فلستم كلّكم قائمين بالحقّ؟ قال: بلى. قلت: فَلِمَ سُمِّيَ القائم قائماً؟ قال: لَمَّا قُتل جدّيَ الحسين (عليه السلام) ضجّت عليه الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيّدنا أتغفل عمَّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟، فأوحى الله عزّ وجلّ إليهم قرُّوا ملائكتي، فَوَعزّتي وجلالي لانتقمنَّ منهم ولو بعد حين، ثمّ كشف الله عزّ وجلّ عن الأئمّة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة، فَسُرَّت الملائكة بذلك فإذا أحدهم قائم يصلّي، فقال الله عزّ وجلّ: بذلك القائم أنتقم منهم» [علل الشرائع ج1 ص160].

وقد ذكرنا هذه الحكمة بتقرير آخر في جواب سابق منشور بعنوان: (لماذا تأخَّر أخذ ثأر الإمام الحسين (ع))، يمكن مراجعته.

إذا عرفت ذلك، نقول: 

ذكرت النصوص أنّ إحدى حِكم تأخّر الظهور المقدّس لصاحب الزمان (عجّل الله فرجه): هو انتظار خروج ودائع الله تعالى من أصلاب الكافرين؛ إذ إنّ الله تعالى قدّر وقضى أن يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، فلو قُتل الكافر – وكان قد قدّر الله تعالى أن تخرج من ظهره نسَمَة مؤمنة – لكان في قتله إطفاء لشمعة نسَمة مؤمنة. وهي إحدى الحِكم الخفيّة لعدم قيام أمير المؤمنين (عليه السلام) بوجه الغاصبين. 

روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: ما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقاتل فلاناً وفلاناً وفلاناً؟ قال: لآية في كتاب الله عزّ وجلّ: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين، وكذلك القائم (عليه السلام) لن يظهر أبداً حتّى تخرج ودائع الله تعالى، فإذا خرجت ظهر على مَن ظهر من أعداء الله فقتلهم» [علل الشرائع ج1 ص147].

وروى بإسناده عن إبراهيم الكرخيّ قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) - أو قال له رجل -: أصلحك الله، ألم يكن عليّ (عليه السلام) قويّاً في دين الله عزّ وجلّ؟ قال: بلى، قال: فكيف ظهر عليه القوم؟ وكيف لم يدفعهم؟ وما منعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب الله عزّ وجلّ منعته، قال: قلت: وأيّ آية؟ قال: قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، إنّه كان لله عزّ وجلّ ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، فلم يكن عليّ (عليه السلام) ليقتل الآباء حتّى تخرج الودائع، فلمّا خرج الودائع ظهر عليٌّ على مَن ظهر فقاتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبداً حتّى تظهر ودائع الله عزّ وجلّ، فإذا ظهرت ظهر على مَن ظهر فقتله» [علل الشرائع ج1 ص147].

وعندما يظهر صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه) يطلب ثأر جدّه سيّد الشهداء (عليه السلام)، فيقتصّ من ذراري قتلة جدّه لأنّهم راضون بفعال آبائهم إذ «مَن أحبّ عمل قوم أُشرِك معهم»، كما أنّ قوم ثمود لـمّا أحبّوا ورضوا بقتل الناقة – مع أنّ القاتل واحد – نزل العذاب عليهم جميعاً. 

فتأخير الاقتصاص لسيد الشهداء (عليه السلام) لزمن الظهور هو انتظار خروج ودائع الله تعالى من أصلابهم، حتّى لا يُرجى لهم ذريّة مؤمنة قطّ، حينها يتمّ الاقتصاص لسيّد الشهداء (عليه السلام) منهم، فيتحقّق قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.

ختاماً نسأله تعالى أن يرزقنا وإيّاكم الطلب بثأر الحسين (عليه السلام) بين يدي وليّه الأعظم أرواحنا فداه، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.