الحكمة من ولادة عيسى (ع) بلا أب

السؤال: ما الحكمة التي لأجلها ولِد نبيُّ الله عيسى من غير أب؟

: الشيخ فاروق الجبوري

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يعتقد أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أنّ أفعال الله تعالى معلّلة بالغرض والحكمة، وخالية من العبث والجُزاف، فمن ذلك خلقه للكائنات باسرها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 16]، فالآية تؤكّد نفي العبثيّة عن خلقه تعالى للعالم وما يكتنفه من الكائنات، ولا شكّ أنّ خلق الإنسان يقف في صدارة ذلك؛ لذا قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115].

وخلق نبيّ الله عيسى (عليه السلام) من غير أبٍ لا يخرج عن إطار هذا القانون التكوينيّ الشامل، وبمكن اقتناص بعض وجوه الحكمة – لا العلّة الحقيقيّة – التي من أجلها خلق عيسى (عليه السلام) بهذا الشكل: 

فالمستفاد من آيات ولادة عيسى (عليه السلام) كون الحكمة من ولادته من غير أبٍ هي إِراءَةُ اللهِ تعالى عظيم قدرتَه وبديع صنعه للناس وخصوصاً نبي إسرائيل (اليهود) منهم، قال تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 20ـ21]. فانظر على قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ فإنّ الآية هي المعجزة والعلامة الدالّة على بديع صنعه وعظيم قدرته تبارك وتعالى بنحو يجعل نفس الرائي لها مبهوتةً مذهولةً مقرّةً مذعنة معترفة بتلك القدرة العظيمة، فالله سبحانه أراد أن يرى الناس كيف أنّه قادر على أن يخلق الإنسان من غير أب وأمٍّ كما في خلق آدم وحوّاء، أو من غير أبٍ كما في خلق عيسى، أو من الأبوين معاً كما هو خلق سائر الناس، ولا يعجزه شيء من ذلك وليس بينه وبين تحقّقه في الخارج إلّا أن يقول له كن فيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].

روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لأيّ علّةٍ خلق الله عزّ وجلّ آدم من غير أبٍ وأمٍّ، وخلق عيسى (عليه السلام) من غير أبٍ وخلق ساير الناس من الآباء والأمهات؟ فقال: لِيَعلَمَ الناسُ تمام قدرته وكمالها، ويعلموا أنّه قادر على أن يخلق خلقاً من أنثى من غير ذكر، كما هو قادر على أن يخلقه من غير ذكر ولا أنثى وأنّه عزً وجلّ فعل ذلك لِيُعلَمَ أنّه على كلّ شيء قدير» [علل الشرائع ج1 ص15].

وقد استفاد العلماء من الفريقين من كلام الأئمة (عليهم السلام) ما أدلوا به في تفسير الآية الكريمة، فنجد شيخ الطائفة الطوسيّ يقول: (﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي نجعل خلقه من غير ذَكَرٍ آيةً باهرة، وعلامة ظاهرة للناس) [تفسير التبيان ج7 ص115]، ويقول الشيخ الطبرسيّ: (﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي : لِنُبيِّن به قدرتنا ولنجعله آية) [جامع الجوامع ج2 ص447].

ونظير ذلك ما ذكره مفسّرو العامّة، قال ابن كثير: (﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نَوَّع في خلقهم فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى... وخلق بقية الذريّة من ذكر وأنثى إلّا عيسى فإنّه أوجده من أنثى بلا ذكر فتمّت القسمة... الدالّة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا ربَّ سواه) [تفسير ابن كثير ج3 ص121]. وقال السعديّ: (﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ تدلُّ على كمال قدرة الله تعالى وعلى أنّ الأسباب جميعها لا تستقلُّ بالتأثير وإنّما تأثيرها بتقدير الله فيُرِي عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية لئلا يقفوا مع الأسباب ويقطعوا النظر عن مُقدِّرها ومُسبِّبها) [تفسير السعديّ ص312].

والخلاصة: أنّ المستفاد من الذكر الحكيم كون إيجاد الله سبحانه وتعالى لمخلوقاته حاصل على نحوين:

الأول: الإيجاد عبر الخلق:

بأن يكون إيجاد الشيء جارياً على طبق النحو المتعارف والمألوف والمعتاد لدى الناس حيث الإخضاع لقانون العلّيّة، وجريان المسبَّبات بأسبابها من دون خرق لنواميس الطبيعة، مثل أن يتوقّف تولّد الإنسان على اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ۝ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: 45ـ46]، وقال أيضاً: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2] فمن دون الانخراط في سلسلة العلل والمعاليل لا يمكن للموجودات بهذا النوع من الإيجاد أن تتشخّص وتتحقّق في الخارج.

الثاني: الإيجاد عبر الأمر:

وهو الذي يكون مخالفاً للمألوف وخارجاً عن مدار الأسباب والمسبّبات، وداخلاً في حيّز الإعجاز الربّانيّ الخارق للعادة، فيكون مرتبطاً بالقدرة الإلهيّة المباشرة ومن دون توسط للأسباب الطبيعيّة فيه، وهو ما يعبّر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، فالحاكم هنا هو قانون (كن فيكون).

وإلى هذين النحوين من الإيجاد يشير قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، ومن الواضح أنّ إيجاد عيسى بن مريم (عليهما السلام) كان بالنحو الثاني دون الأوّل.

وفي ضوء ما عرفت من أنّ أفعاله تعالى معلّلة بالغرض والحكمة، وأنّ الحكمة من ولادة عيسى بشكل إعجازيّ ومن غير أبٍ كانت لأجل أن يُريَ الله قدرته لنبي إسرائيل وهم آنذاك خصوص اليهود، يتولّد السؤال التالي: ما هو الداعي لأن يُثبت الله قدرته لأمّة اليهود التي يفترض فيها الإيمان بالله تعالى واتباع رسوله موسى (عليه السلام) والتصديق برسالته؟!. 

في مقام الجواب توجد أطروحتان على نحو الاحتماليّة وكلاهما معقولتان جدّاً ولهما ما يؤيّدهما:

الأطروحة الأولى: أنّ التفويض والتعطيل كان من صميم عقيدة اليهود بربّهم وقد اشتملت عليه التوراة المحرّفة، فقد كانوا يزعمون أن الله سبحانه محدود القدرة، فما يصدر عنه من فعل أو خلق في هذا العالم يكون ضروريّ الثبوت وغير اختياريّ له فهو تعالى – بزعمهم – يعجز عن تغيّير شيء في النظام الكونيّ وليس له سلطة على مجاري الأمور [ينظر: تفسير الميزان ج6 ص32]، وبمعنى أوضح أنّ الله تعالى إذا خلق شيئاً وقضى فيه أمره استحال عليه أن تتعلّق مشيئته بخلافه، فهو حين خلق قانون الجاذبيّة للأرض - مثلاً – أصبح مسلوب القدرة والسلطان أمام هذا القانون، فلا يقدر أن يشاء خلافه أو ينسخه، شأنه في هذا شأن صاحب البندقية، فإنّه حين يضغط على الزناد يفقد قدرة التحكم في الرصاصة [ينظر: علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم ص201]، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] وفي تفسيرها روى الصدوق بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: «لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر، فلا يزيد ولا ينقص ...» [توحيد الصدوق ص167].

وعليه فحيث أنّ القانون التكوينيّ الممضى في إيجاد الإنسان هو أن يتولّد وفقاً للأسباب الطبيعيّة فهذا يعني – لدى اليهود – أنّ الله عاجز عن تغيير هذا القانون ولا يمكنه خلق الإنسان إلّا بتوسّط الوالدين، فأراد الله تعالى أن يريهم قدرته ويبيّن لهم فساد عقولهم وانحراف عقيدتهم عن الفطرة السليمة.

الأطروحة الثانية: أن يكون في خلق عيسى إرهاصٌ لنبوة نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) وإن طالت الفترة الفاصلة بينهما؛ إذ من الواضح أنّ الله تعالى قد فضّل بني إسرائيل – في عصرهم – على العالمين كما نصّ عليه في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47]، وجعل فيهم النبوّة والملوكيّة معاً كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 20]، إلّا أنّهم لم يتعاملوا مع هذه النعم العظيمة بالشكر والعرفان، بل قابلوها بالكفران وإظهار العجرفة والمنّة والادّلال على الله تعالى في الكثير من المواطن؛ كما في رفضهم القتال مع نبيّهم (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، أو رفضهم الإيمان برسالته حتّى يريهم الله جلّ وعلا عياناً وجهرة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: 55]، إلى غير ذلك من صور انحرافاتهم التي تنبئ باضطرابهم النفسي واختلالهم العقليّ، وهم مع ذلك كلّه كانوا يتوهّمون أنّهم شعبه المختار الذين ليس في الكون عباد لله سواهم، حين رأوا النبوّة في الدنيا جارية فيهم والملك متدلٍّ عليهم؛ لذلك زعموا أنّ الجنّة في الآخرة لن تكون إلّا لهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، وقال أيضاً: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]، بل قد تصاعدت وتيرة اغترارهم بما بين أيديهم حتّى اعتقدوا بأنّ الله مفتقر ومحتاج لهم وهم أغنى منه [ينظر: تفسير الميزان ج9 ص244، تفسير الكاشف ج3 ص90] وإلى ذلك أشار قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181].

بناءً على هذا ونظائره أراد الله تعالى تأديب بني إسرائيل ومعاقبتهم فابتلاهم بسلخ الملك عنهم حتّى حرّم عليهم الأرض كلّها ومنع أن تكون لهم دولة وموطن مستقلّ، وعمد إلى نقل النبوّة عن ذرّية إسحاق إلى ذريّة إسماعيل مع حصر ذلك بخاتم الأنبياء والمرسلين محمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومهّد لذلك بأن أوجد فيهم نبيَّين اثنين بقدرته وعلى نحو المعجزة المنافية لنواميس الطبيعة والمخالفة ما لما هو المألوف وما جرت به العادة، فلم يجعل لليهود دخلاً في ذلك؛ حتّى لا يكون لهم فخر في وجودهما، حيث خلق النبيّ يحيى (عليه السلام) من أبٍ في قمّة الهرم والشيخوخة وامرأة عاقر وعقيم كما قال تعالى حكاية عن زكريّا: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 8]. ثمّ ولادة النبيّ عيسى (عليه السلام) من غير أن يكون له أبٌ منهم، وجعله المبشّر بالنبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله).

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.