الحكمة من رمي الجمرات
السؤال: ما هي علة تشريع رمي الجمرات في الحج؟ وهل يتأذى إبليس من ذلك؟ وكيف ذلك وهي مجرد حصيات صغيرة وهو مخلوق من نار؟ فالأمر يثير سخرية البعض.
الجواب:
بداية لا بد من تقديم مقدمة تتعلق بعلل الأحكام وملاكاتها بشكل عام، فنقول: نحن نعلم على نحو الإجمال أن جميع الأحكام الشرعية إنما صدرت من المولى سبحانه لملاك وعلة ما؛ لأنه سبحانه وتعالى حكيم لا يفعل عبثاً، لكن لا علم لنا بتلك الملاكات والعلل على نحو التفصيل، بمعنى: لا إحاطة لعقولنا بحقيقة تلك الملاكات والعلل والأسباب التي لأجلها جعلت الأحكام بالفعل، فلا نعلم فعلاً لما جعلت صلاة الصبح ركعتين بينما صلاة الظهر أربع، أو لما جعل الواجب في الوضوء هو الغسل للوجه بينما المسح بالنسبة للقدمين، أو لم حل لنا لحم البقر ولم يحل لحم الأرنب، فلا علم لنا إلا اللهم بمقدار ما ينص عليه الشارع المقدس بنفسه ويبينه لنا، وهو مقدار يسير كما لا يخفى على من له اطلاع على علم الفقه؛ كعلة تحريم الخمر حيث نصت الروايات الشريفة على أن العلة في ذلك هو الإسكار.
إذن القاعدة العامة في الأحكام الشرعية أنها تعبدية يجب على المكلف التسليم بها والانقياد لها بعد ثبوت حجيتها وإن جهل ملاكها والعلة منها، وبهذا تظهر حقيقة التسليم والانقياد والطاعة عند العبد، ويتحقق الاختبار ويكون العبد عبداً بالفعل. نعم، ينبغي للمكلف الوقوف على الفوائد والحكم التي ذكرت لتلك الأحكام في الروايات الشريفة؛ حيث تورث البصيرة عنده والخشوع والتوجه في عباداته.
وأما بخصوص رمي الجمرات في الحج:
فإن إجماع المسلمين على وجوبه، وأنه شعيرة من شعائر الحج ومناسكه، وقد ورد أن السنة النبوية قد جرت على ذلك محاكاة لما قام به نبي الله ابراهيم (ع) من رجم لإبليس حين تراءى له؛ فقد روى الصدوق عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: «سألته عن رمي الجمار لم جعل؟ قال: لأن ابليس اللعين كان يتراءى لإبراهيم (ع) في موضع الجمار فرجمه إبراهيم فجرت السنة بذلك» [علل الشرائع ج2 ص437].
فظاهر الأخبار أن رمي الجمار والرجم هو محاكاة لفعل نبي الله ابراهيم (ع) وأنه رجم معنوي رمزي، لا مادي؛ بمعنى اظهار البراءة من ابليس وعفاريته والخط المناوئ لرب العالمين، والرفض والتنديد لما يمثلوه ويزينوه من معاصي وآثام وتمرد وكفر وطغيان، لا أن ابليس وعفاريته يقيدون هناك بالفعل ليتلقوا الضرب من الحجيج.
ويعضد ذلك: ما رواه الصدوق عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «من رمى الجمار يحط عنه بكل حصاة كبيرةً موبقة، وإذا رماها المؤمن التقفها الملك، وإذا رماها الكافر قال الشيطان: بإستك ما رميت» كناية عن استغراب ابليس من تصرف هذا الكافر وهو من حزبه. [من لا يحضره الفقيه ج2 ص214].
وأما السؤال حول كيفية تأذي ابليس من حصيات صغيرة وهو مخلوق من نار:
فقد علمت أن الظاهر من رمي الجمار أنه محاكاة، وفعل رمزي معنوي لا مادي؛ فليس أن ابليس وعفاريته يتم تقييدهم هناك ليتلقوا الضرب، وعلى فرض كان كذلك؛ فكونه من نار ليس مانع من تأذيه؛ لأن الجان وإن كانت أصل الخلقة فيهم النار؛ كما ذكر القرآن الكريم {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27]، لكن ذلك بمعنى أن النار هي النواة الأولية التي منها خلق الله تعالى الجان الأول فجعله كائن حي ذو شعور وإحساس؛ كما أن نواة الإنسان الأول هي الصلصال ثم جُعل منه كائن حي ذو شعور وإحساس، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26].
ثم كون الحصيات صغيرة الحجم، أو هشة، أو أنها تضرب بطريقة الحذف؛ وهي طريقة لا تستوجب الألم المعتد به عادة لا يعني بالضرورة عدم التأذي؛ إذ لا يمنع ذلك أن يكون لها أثر تكويني خفي؛ بحيث يجعل الله تعالى لها أثر كبير على ابليس وعفاريته، أو أن لا يكون الهدف ـ أساساً ـ من رمي الجمار تعريض ابليس للعذاب الجسدي بقدر ما يهدف إلى تعريضه للعذاب النفسي من الإهانة والهوان والذلة.
ثم إن المستهزء من هذا الحكم الشرعي إما أن يكون مؤمناً بالشريعة أو لا؛ فإذا كان كذلك لا يحق له بعد ثبوت الحكم في الشريعة الاستهزاء منه مع إيمانه بكون الله تعالى حكيم لا يفعل العبث، بل المفترض به أن يعترف بجهله وقصوره عن الإحاطة بملاك هذا الحكم؛ وإلا كان متجاسراً على مولوية الله سبحانه، وإذا كان المستهزء من غير شريعة وملة لزمه أولاً النظر في الكبرى؛ أي: البحث عن في أدلة أحقية ديننا وشريعتنا الإسلامية.
اترك تعليق