نزول الملائكة على الإمام الحسين (ع)
السؤال: نحن نؤمن بأنَّ الملائكة قد نزلت على الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل نصرته، ولكن كيف تنزل عليه وهو ليس نبياً؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم ـ عزيزي السائل ـ بأنَّ نزول الملائكة غير مختص بالأنبياء فقط، وإنما هو شامل لغيرهم أيضاً، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْملَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 45 ـ 48].
فإنَّ الآية صريحةٌ في تكليم الملائكة السيِّدة مريم (عليها السلام) وهي ليست من الأنبياء، مما يعني أنَّ نزول الملائكة وتكليمهم لبعض الأولياء ليس مختصَّاً بكونهم من الأنبياء والرسل، كما هو واضح.
وكذلك ما جاء في قوله سبحانه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْملَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:3 ـ 5]، فهي صريحةٌ أيضاً في نزول الملائكة في ليلة القدر حتَّى مع عدم وجود النبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، لدلالة الفعل المضارع (تنزَّل) على الاستمرار.
روى الشيخ الصفَّار (طاب ثراه) بسنده عن داوود بن فرقد قال: «سألتُهُ عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1ـ 2]؟ قال: نزل فيها ما يكون من السنة إلى السنة، من موتٍ أو مولودٍ. قلت له: إلى من؟ فقال: إلى من عسى أنْ يكون؟ إنَّ الناس في تلك الليلة في صلاةٍ ودعاءٍ ومسألةٍ، وصاحب هذا الأمر في شغل، تنزل الملائكة إليه بأمور السنة» [بصائر الدرجات ص240].
وبناءً على ما تقدَّم، فإنَّ نزول الملائكة على الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل نصرته أمرٌ مقبولٌ وفق المنطق القرآنيّ، نظير نصرتهم ـ الملائكة ـ المسلمين في معركة بدر الكبرى، كما ورد في بعض الآيات الكريمة.
ثمَّ لا بأس بذكر بعض الروايات المصرِّحة بنزول الملائكة على الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل تقديم النصرة له.
1ـ روى الشيخان ابن قولويه القمِّيُّ والنعمانيُّ (طاب ثراهما) بالإسناد عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه قوله: «وأربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين (عليه السلام) فلم يؤذنْ لهم في القتال. فهم عند قبره شعثٌ غبرٌ يبكونه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يقال له: منصور، فلا يزوره زائرٌ إلَّا استقبلوه، ولا يودّعه مودّعٌ إلَّا شيعوه، ولا يمرض مريضٌ إلَّا عادوه، ولا يموت ميِّتٌ إلَّا صلُّوا على جنازته، واستغفروا له بعد موته، وكلُّ هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم (عليه السلام) إلى وقت خروجه (عليه السلام)» [كامل الزيارات ص233، الغيبة ص323].
2ـ وروى الشيخ أبو جعفر الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن الريان بن شبيب قال: «دخلتُ على الرضا (عليه السلام) في أوَّل يومٍ من المحرَّم فقال لي: يابن شبيب، أصائمٌ أنت؟ فقلتُ: لا ... إلى قوله (عليه السلام): ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قُتِلَ، فهم عند قبره شعثٌ غبر إلى أنْ يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم يا لثارات الحسين» [الأمالي ص192].
3ـ وقال السيِّد ابن طاووس (طاب ثراه): (ذكر المفيد محمَّد بن محمَّد بن النعمان (رضي الله عنه) في كتاب مولد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومولد الأوصياء (عليهم السلام) بإسناده إلى أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق (عليهم السلام) قال: لما سار أبو عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) من مكَّة ليدخل المدينة، لقيه أفواجٌ من الملائكة المسوَّمِين والمُردَفِين في أيديهم الحراب على نُجُبٍ من نُجُبِ الجنة، فسلَّموا عليه وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جدِّه وأبيه وأخيه، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أمدَّ جدَّك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بنا في مواطن كثيرة، وإنَّ الله أمدَّك بنا. فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني، فقالوا: يا حجة الله، إنَّ الله أمرنا أنْ نسمع لك ونطيع، فهل تخشى من عدوٍّ يلقاك فنكون معك، فقال: لا سبيل لهم عليَّ ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي) [اللهوف ص41].
هذا، وقد ورد في بعض الروايات بيان السبب في عدم قبوله (عليه السلام) بمشاركة الملائكة معه في معركة عاشوراء.
روى أبو جعفر الطبريُّ (طاب ثراه) بسنده عن الأعمش قال: «قال لي أبو محمَّد الواقدي وزرارة بن جلح: لقينا الحسين بن علي (عليهما السلام) قبل أنْ يخرج إلى العراق بثلاث ليال، فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأنَّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزل من الملائكة عددٌ لا يحصيهم إلَّا الله، وقال: لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكنْ أعلم علماً أنَّ من هناك مصعدي، وهناك مصارع أصحابي، لا ينجو منهم إلَّا ولدي علي» [دلائل الإمامة ص ١٨٢].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ نزول الملائكة على الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل تقديم النصرة أمرٌ صحيحٌ وفق القرآن الكريم والسنة الشريفة، كما صار واضحاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق