هل رأى مسلم بن عقيل المصلين على هيئة وحوش أو شياطين؟
السؤال: هل صحَّ أنَّ مُسلم بن عقيل (عليه السلام) عندما انتهى من صلاته والتفت خلفه رأى المصلِّين على هيئة وحوش أو شياطين، لأنَّهم سيخذلونه؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم ـ عزيزي السائل ـ بأننا بعد البحث والتفتيش في المصادر - القديمة والمتأخرة - المتاحة لنا، لم نعثر على ما ورد في السؤال المذكور من تشكُّل المصلِّين على هيئة الوحوش أو الشياطين.
فنجد من المتقدّمين مثل شيخنا أبي عبد الله المفيد (طاب ثراه) يذكر قضية تفرّق المصلّين عن الشهيد مسلم بن عقيل (عليه السلام) من دون ذكر مسألة رؤيته لهم على هيئة وحوش أو شياطين، ونصّ كلامه: (وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن تممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أنْ يحرم ذريتكم العطاء، ويفرّق مقاتلتكم في مغازي الشام، وأنْ يأخذ البريء بالسقيم والشاهد بالغائب، حتَّى لا تبقى له بقية من أهل المعصية إلَّا أذاقها وبال ما جنت أيديها. وتكلَّم الأشراف بنحوٍ من ذلك. فلما سمع الناس مقالهم أخذوا يتفرَّقون، وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول: غداً يأتيك أهل الشام، فما تصنع بالحرب والشر انصرف، فيذهب به فينصرف. فما زالوا يتفرَّقون حتَّى أمسى ابن عقيل وصلَّى المغرب وما معه إلَّا ثلاثون نفساً في المسجد، فلما رأى أنه قد أمسى وما معه إلَّا أولئك النفر، خرج من المسجد متوجِّهاً نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب ومعه منهم عشرة، ثمَّ خرج من الباب فإذا ليس معه إنسان ...) [الإرشاد ج2 ص53].
وذكر ذلك غيره من أمثال أبي مخنف والدينوريُّ والبلاذريُّ [ينظر: مقتل الحسين ص44، تاريخ الطبريّ ج4 ص277، الأخبار الطوال ص239، أنساب الأشراف ج2 ص80].
ونجد من المتأخّرين مَن اعتنى بالتصنيف في أحوال الشهيد مسلم (عليه السلام) لم يذكر مثل هذه الرواية، كالشيخ عبد الواحد المظفر في كتابه [سفير الحسين]، والسيّد المقرّم في كتابه [الشهيد مسلم بن عقيل]، والشيخ باقر القرشيّ في كتابه [مسلم بن عقيل]، وغيرهم.
نعم، يُحتمل أنْ يكون المقصود من ذلك هو أنَّ الشهيد مُسلم (عليه السلام) قد رأى حقيقة المصلِّين خلفه بهذه الصور، نظراً لما يتمتَّع به من مقام ومنزلة عند الله تعالى، أو أنَّ الذي عبَّر عنهم بالوحوش والشياطين لم يقصد المعنى الحقيقي لذلك، وإنما يقصد المعنى الكنائي، وهو أنَّ حقيقة هؤلاء الغادرين للشهيد مُسلم بن عقيل (عليه السلام) أشبه بالوحوش الغادرة والشياطين المخادعة، وإلَّا فقد قرأتَ ـ سابقاً ـ ما ذكره المؤرِّخون من قصَّة تفرُّق الناس وخلوِّه من ذلك تماماً.
والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ قصَّة تفرُّق الناس عن الشهيد مُسلم بن عقيل وردت في جملةٍ كبيرةٍ من المصادر القديمة والحديثة، وكلها يخلو من رؤية المصلِّين على شكل الوحوش أو الشياطين بالمعنى الحقيقي للرؤية .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق