هل للعوامل الوراثيَّة دخل في تلويث فطرة الإنسان؟

السؤال: هل للعوامل الوراثية دخل في تلويث فطرة الإنسان؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

مفهوم الفطرة الإنسانيَّة من المفاهيم الأساسية في العديد من الثقافات والفلسفات، وخصوصاً في السياق الدينيّ الإسلاميّ، ففي الحديث المنقول عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) «كلّ مولودٍ يُولد على الفطرة حتّى ليكونَ أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه» [عوالي اللئالي ج1 ص3]، ففي الحدّ الأدنى يولد الإنسان وهو يحمل نزعةً أصيلةً نحو الخير والإيمان، وبعبارة أخرى: يولد الإنسان ولديه إدراكٌ طبيعيٌّ للخير والشرّ، وميلٌ فطريٌّ نحو الإيمان بالله، أو يمكن أن نقول: إنّ الفطرة هي النقاء الأصليّ في النفس الإنسانيَّة، وهي تعبيرٌ عن الخير الذي وُضع في الإنسان منذ ولادته.

ولكن مع مرور الزمن وتفاعل الإنسان مع بيئته، يمكن أنْ تتغيّر هذه الفطرة بشكلٍ إيجابيّ أو سلبيّ، والسؤال الذي يُطرح هنا هو: هل للعوامل الوراثيَّة دخلٌ في تلويث فطرة الإنسان، أم أنّ التلوّث يأتي من مصادر أخرى؟

من المؤكّد أنّ العوامل الوراثيَّة تتعلّق بالصفات الجينيّة التي يرثها الإنسان من والديه، وهذه الصفات تشمل الخصائص الفيزيائيّة مثل لون العينين والطول، وكذلك تشمل الصفات النفسيّة مثل الذكاء، والميول العاطفيّة، والقدرات العقليّة، وعلى الرغم من أنّ الجينات يمكن أن تحدّد بعض جوانب الشخصيّة وميولاتها، إلّا أنّها ليست عاملاً مباشراً في توجيه الإنسان نحو الخير أو الشرّ.

فبعض الأشخاص قد يُولدون بقدراتٍ عقليّةٍ معيّنةٍ تجعلهم أكثر عرضةً للنجاح في بعض المجالات، أو أكثر عرضةً لمواجهة تحدّياتٍ نفسيّةٍ معيّنةٍ، وهناك بعض الأدلّة التي تشير إلى أنّ هناك استعداداتٍ وراثيّة تجاه القلق، والاكتئاب، أو اضطرابات أخرى، إلّا أنّ كلّ ذلك يمكن التحكّم فيه وإدارته والسيطرة عليه عبر التعلّم والتربية.

ومن المهم هنا التفريق بين الصفات الوراثيَّة وبين الفطرة، فعندما نتحدّث عن الفطرة نقصد الطبيعة الأساسيّة الخيّرة في الإنسان، وهذه الطبيعة نابعٌة من كون الإنسان مفطوراً على معرفة الله، ومن تلك المعرفة يستمدّ الإنسان كلّ قيم الخير والكمال والجمال، وعندما نتحّدث عن الصفات الوراثيَّة نتحدّث عن سمات الشخصيّة وميولها النفسيّة، والعوامل الوراثيَّة يكون دورها واضحاً فيما يتعلق بسمات الشخصيّة أو ميولها النفسيّة، بينما لا يتّضح هذا الدور فيما يتعلّق بتلوث الفطرة؛ وذلك لأنّ الفطرة ترتبط بالجوانب الروحيّة والأخلاقيّة للإنسان، وتلك الجوانب قد تتأثّر بعوامل أخرى مثل عوامل البيئيّة والتربويّة، فالتعرّض لممارساتٍ تربويّةٍ سلبيّة يمكن أنْ يؤثّر بشكلٍ عميقٍ في فطرة الإنسان. فعلى سبيل المثال، إذا نشأ الطفل في بيئةٍ مليئةٍ بالعنف أو الكراهيّة، فقد ينحرف عن الفطرة السليمة.

وكذلك تلعب المؤثرات الاجتماعيّة والثقافيّة دوراً كبيراً في تلويث الفطرة، فالتعرّض لبيئةٍ منحرفةٍ أو أيديولوجيّاتٍ خاطئة يمكن أن يؤدّي إلى تغيّر الفطرة، ومع ذلك تظلّ للإنسان قدرة على الاختيار بين الخير والشرّ، فكلّ هذه المؤثّرات مجرد مقتضيات ليست بالضرورة ذات تأثيرات حتميّة.

وعليه، فإنّ العوامل الوراثيَّة قد تحدّد بعض الميل نحو سلوكيّات معيّنة، لكنّها لا تملك القوّة الكافية لتغيير الفطرة السليمة بمفردها، على عكس العوامل البيئيّة والاجتماعيّة التي تلعب دوراً كبيراً في توجيه الفطرة، فالتربية السليمة، والتعليم الجيّد، والبيئة الأخلاقيّة يمكن أن تحافظ على الفطرة أو تعيد الإنسان إليها إذا ما ضلّ الطريق.

وفي المحصّلة، يمكن القول إنّ الفطرة الإنسانيَّة هي حالة النقاء والخير التي يُولد بها الإنسان، ولا تؤثّر فيها العوامل الوراثيَّة بشكلٍ مباشر، فالفطرة قد تتلوّث بالعوامل البيئيّة والاجتماعيّة، مثل التربية والتأثيرات الثقافيّة. لهذا، من المهم التركيز على توفير بيئةٍ سليمةٍ وتعليمٍ جيّد للحفاظ على الفطرة السليمة وتعزيزها، فالعوامل الوراثيَّة قد تشكّل بعض جوانب الشخصيّة، لكنّها ليست هي المسؤولة عن تلوّث الفطرة.