إنا معشر الأئمَّة نشبُّ في اليوم كما يشبُّ غيرنا في أسبوع

السؤال: ورد في روايةٍ طويلةٍ جاء فيها: أنَّ حكيمة - عمَّة الإمام العسكريّ -، ذهبت لزيارة الإمام العسكريّ، وبعد أربعين يوماً من ولادة الإمام القائم، دخلتْ على مولانا أبي محمَّد العسكريّ، وإذا الإمام الحجَّة يمشي، فاستغربتْ، فقال لها أبو محمَّد: «إنا معشر الأئمَّة، نشبُّ في اليوم كما يشبُّ غيرنا في سنة». وهذا حديثٌ غريبٌ، فإذا كانت الأئمَّة تشبُّ في اليوم الواحد كما يشبُّ غيرهم في سنة، فهذا يعني أنَّ عمر المهدي يجب أنْ يكون الآن حوالي نصف مليون سنة؟ كما أنَّ المفروض أنَّ السيدة حكيمة بنت إمام، وأخت إمام، وعمَّة إمام، وبمثابة جدَّة للإمام المهدي، فيلزم أنَّها تعرف أنَّ الإمام يشبُّ في اليوم كما يشبُّ غيره في سنة، فلماذا تعجَّبت؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

بدايةً لابدَّ أنْ أنبِّه السائل إلى وهمٍ ـ أو تعمُّدٍ ـ وقع فيه، وهو أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يقل نحن نشبُّ في اليوم الواحد كما يشبُّ غيرنا في سنةٍ كاملةٍ، وإنَّما الوارد أننا نشبُّ في اليوم الواحد كما يشبُّ غيرنا في الأسبوع، ونشبُّ في الأسبوع كما يشبُّ غيرنا في الشهر، ونشبُّ في الشهر كما يشبُّ غيرنا في السنة.

روى المحدِّث الطبريُّ (طاب ثراه): بسنده عن محمَّد بن القاسم العلويّ، قال: دخلنا جماعةً من العلويَّة على حكيمة بنت محمَّد بن علي بن موسى (عليهم السلام)، فقالت: (جئتم تسألونني عن ميلاد وليّ الله؟ قلنا: بلى والله ... إلى قولها: وبعد أربعين يوماً دخلتُ دار أبي محمَّد (عليه السلام) فإذا أنا بصبيٍّ يدرج في الدار، فلم أر وجهاً أصبح من وجهه، ولا لغةً أفصح من لغة، ولا نغمةً أطيب من نغمته، فقلتُ: يا سيدي، من هذا الصبي؟ ما رأيتُ أصبح وجهاً منه، ولا أفصح لغةً منه، ولا أطيب نغمةً منه؟ قال: هذا المولود الكريم على الله. قلتُ: يا سيدي، وله أربعون يوماً، وأنا أرى من أمره هذا! قالت: فتبسَّم ضاحكاً وقال: يا عمَّتاه، أما علمتِ أنَّا معشر الأوصياء ننشأ في اليوم كما ينشأ غيرنا في الجمعة، وننشأ في الجمعة كما ينشأ غيرنا في الشهر، وننشأ في الشهر كما ينشأ غيرنا في السنة) [دلائل الإمامة ص499].

إذا اتضح هذا فلنا جملةٌ من الملاحظات، نذكرها في نقاط ثلاثة:

النقطة الأولى: إنَّ هذا المضمون ليس مختصاً بصاحب الزمان (عليه السلام) وإنما هو مرويٌّ في غيره أيضاً؛ ولذلك فلا غرابة في البين كما يدَّعي السائل.

1ـ فقد روي أنَّ نبيَّ الله إبراهيم (عليه السلام) كان ‌يشبُّ ‌في ‌اليوم ‌كما ‌يشبُّ ‌غيره في شهر، وفي الشهر كما يشبُّ غيره في سنة [يُنظر: الكامل في التاريخ ج1 ص87، تفسير الخازن ج2 ص127، وغيرها].

2ـ كما روي أنَّ النبيَّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) كان يشبُّ في اليوم شباب الصبي في الشهر، ويشبُّ في الشهر شباب الصبي في سنة [يُنظر: مسند أبي يعلى ج9 ص550، صحيح ابن حبان ج4 ص38، تاريخ دمشق ج3 ص90، وغيرها].

3ـ بل روي مثل ذلك في (عاقر الناقة) وهو من الأشرار [يُنظر: تفسير الطبريّ ج15 ص374، المستدرك ج2 ص617، تفسير الثعلبيّ ج4 ص255]، وروي أيضاً في (الغلام الروميّ) وهو من الأشرار أيضاً بحسب ما يُروى [يُنظر: الفتن لنعيم بن حماد ج1 ص423، المستدرك على الصحيحين ج4 ص594، كنز العمَّال ج14 ص561]، وغيرها من المصادر الكثيرة.

نعم، هو في حقِّ الأنبياء والأولياء من قبيل المعاجز والكرامات التي يخصُّهم الله تعالى بها، لكونهم حُججه وأفضل الخلق عنده. أمَّا في حقِّ الأشرار ـ أمثال عاقر الناقة ـ فنجزم بعدم كونه من قبيل المعاجز والكرامات؛ لعدم كونه مستحقَّاً لذلك ببديهة العقل، ولذلك يُمكن حمله على خللٍ في هرمونات الجسم التي تُؤدِّي إلى سرعةٍ في النمو، أو من قبيل ما يسمَّى بـ(المعجزة المنكوسة)، من قبيل ما روي من أنَّ (امرأة أتته (صلَّى الله عليه وآله) بصبيٍّ لها ترجو بركته بأنْ يمسَّه ويدعو له، وكان برأسه عاهة فرحمها ـ والرحمة صفته (صلَّى الله عليه وآله) ـ فمسح يده على رأسه فاستوى شعره، وبرئ داؤه. فبلغ ذلك أهل اليمامة، فأتوا مسيلمة بصبيِّ لامرأة فمسح رأسه، فصلع، وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعاً) [الخرائج والجرائح ج1 ص٢٩]. أو لعلَّةٍ وحكمةٍ أُخرى يعلمها الله تعالى.

النقطة الثانية: إنَّ عيش الإنسان السنين الكثيرة ـ وعلى قول السائل نصف مليون سنة ـ ليس من المحالات العقلية حتَّى يستلزم الإشكال، بل له الكثير من الأشباه والنظائر في التراث الإسلامي، أمثال: (الجسَّاسة والدجَّال) المروي في الصحاح عند العامَّة [يُنظر: صحيح مُسلم ج8 ص203].

قال القاضي عياض في التعليق عليه: (وهذه الأحاديث التي أدخلها مُسلم في ‌قصَّة ‌الدجَّال حجَّة أهل الحق في صحَّة وجوده، وأنَّه شخصٌ معيَّن، ابتلى الله عباده، وأقدره على أشياء من قدرته، ليتميز الخبيث من الطيب، من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب الذي معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أنْ تمطر، والأرض أنْ تنبت، فيكون ذلك كله بقدر الله ومشيئته، ثمَّ يعجزه الله بعد ذلك، كما قال: (ولنْ يسلَّط على غيره) فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ثانيةً، ولا على غيره، ويبطل أمره بعد، ويقتله عيسى (عليه السلام) ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجماعة أهل الفقه والحديث ونظارهم) [إكمال المعلم ج8 ص474]. وكذلك الحال في بقاء إبليس حياً إلى يوم الوقت المعلوم.

النقطة الثالثة: ليس مستغرباً أنْ لا تعرف السيِّدة حكيمة بهذا الأمر، ولا يقدح في جلالها وعلو شأنها بعد كونها من غير المعصومين، على أنه يُمكن أنْ يكون ذلك من باب إيصال المعلومة للأجيال، فإنَّ بعض المحاورات يكمُن الهدف منها في إيصال الحقائق للأجيال القادمة، كما هو معلوم. وأياً كان فإنَّ هذا غير قادحٍ في السيدة حكيمة، ولا يسبب إشكالاً في الرواية المذكورة.

والنتيجة المتحصَّلة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ ما أورده السائل في كلامه غير تامٍّ في حدِّ نفسه، كما تبيَّن تفصيلاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.