من علَّمني حرفاً ملكني عبداً

السؤال: يُروى عن أحد أهل البيت (عليهم السلام) قال: «مَن علَّمني حرفاً ملكني عبداً. أو صيَّرني عبداً»، ما رأيكم بهذا الحديث، وما معنى العبوديَّة التي أريد بيانها في هذا الحديث؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أخي السائل بأننا بعد البحث والتفتيش في المصادر المتاحة لدينا لم نعثر على ما يُروى بهذه الألفاظ المذكورة في السؤال، وإنما روي هذا المضمون بألفاظٍ أُخرى عندنا وعند العامَّة على حدٍّ سواء، نذكر ما عثرنا عليه في هذا المجال.

1ـ ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائيُّ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «من تعلَّمتُ منه حرفاً صرتُ له عبداً» [عوالي اللئالي ج1 ص292].

2ـ وما رواه أيضاً عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «من علَّم شخصاً مسألةً فقد ملك رقبته، فقيل له: يا رسول الله، أيبيعه؟ فقال (عليه السلام): لا، ولكن يأمره وينهاه» [عوالي اللئالي ج4 ص71، منية المريد ص243].

3ـ وما رواه ـ من المخالفين ـ العلَّامة برهان الدين الزرنوجيُّ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قال: «‌أنا ‌عبدٌ ‌مَن ‌علَّمني ‌حرفاً ‌واحداً، إنْ شاء باع، وإنْ شاء استرق» [تعليم المتعلِّم ص34].

معنى الأحاديث:

وأمَّا المعنى المراد منها ـ بعد فرض صحَّتها ـ فليست العبوديَّة بالمعنى الحقيقي التي هي من مختصَّات الباري (تقدَّست أسماؤه)، وإنما المراد منها ـ كما في الحديث الثاني ـ عبودية الطاعة، بمعنى أنَّ المعلِّم له الحقُّ في أنْ يأمر المتعلِّم وينهاه، كما يظهر من قوله (صلَّى الله عليه وآله): «فقيل له: يا رسول الله، أيبيعه؟ فقال: لا، ولكن يأمره وينهاه»، وفيه إشارةٌ جليَّةٌ إلى عظيم حقِّ المعلِّم على المتعلِّم.

نعم، يظهر من الحديث الثالث أنَّ العبودية في الحديث بمعنى الرقيَّة «إنْ شاء باع، وإنْ شاء استرق»، ولكنه غير مرادٍ جزماً؛ وذلك لما عُلم من ضرورة الفقه. وعليه، فلابدَّ أنْ يُحمل على المعنى المجازي، وأنَّ حقَّ المعلِّم على المتعلِّم كحقِّ السيِّد على مولاه، إنْ شاء باعه وإنْ شاء أبقاه، وبذلك يرجع إلى ما ورد في الحديث الثاني، كما هو واضح.

وبالجملة: بعد علمنا ببطلان العبودية الحقَّة ـ لأنها من مختصَّات الله تعالى ـ وكذلك الرقيَّة، فلابدَّ من المصير إلى أقرب المجازات، وهو لزوم توقير المعلِّم وتبجيله؛ لأنَّه من أهل الفضل والإحسان على المتعلِّم.

قال إمامنا السجَّاد (عليه السلام) في حقِّ المعلِّم: «وحقُّ سائسك بالعلم، التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والاقبال عليه، وأنْ لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيءٍ حتَّى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدِّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأنْ تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأنْ تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس عدوَّاً، ولا تعادي له ولياً، فإذا فعلت ذلك شهدتْ لك ملائكة الله (عزَّ وجلَّ) بأنك قصدته وتعلَّمت علمه لله (عزَّ وجلَّ) لا للناس« [من لا يحضره الفقيه ج2 ص620، شرح رسالة الحقوق ص409].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الحديث المشار إليه في السؤال وإنْ لم يردْ بهذه الألفاظ المخصوصة، ولكنَّه واردٌ بما يقرب منها، وهو يدلُّ على عظيم حقِّ المعلِّم على المتعلِّم، كما صار واضحاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.