هل وفيات الأطفال دليل على عبثية الخلق أم جزء من حكمة خفية؟
السؤال:
لطالما اعتُبرت وفيات الأطفال حديثي الولادة من أبرز الأدلَّة التي تتحدَّى فرضيَّة وجود خالق. كان السؤال المطروح بسيطاً للغاية: إذا كان الخالق يرغب في إنهاء حياتهم بهذه السرعة، فلماذا أوجدهم من الأساس؟ ما الفائدة من ذلك؟ كان هذا التساؤل كافياً لتسليط الضوء على تناقض فرضية الإله. عمر الكون يمتد إلى 14 مليار عام، فما معنى وجود خالقٍ يقوم بخلق إنسانٍ، وتصميم جيناته، وتشكيل بروتيناته، وتحديد ملامحه، وتطوير أجهزته الداخليَّة، ثم يعرّضه لتجارب الحمل والولادة، ليقوم بعد أيامٍ قليلةٍ بإرسال ملك الموت لإنهاء حياته؟
الجواب:
أوّلاً: هذا الإشكال يفترض مسبقاً أنّ الحياة الدنيا هي الغاية النهائيّة للوجود، وأنّ أيَّة حياةٍ قصيرةٍ لا معنى لها، بينما الرؤية الدينيّة ترى أنّ الحياة الدنيا مجرّد مرحلةٍ من وجودٍ أوسع يمتدّ إلى الآخرة. وفقاً لهذا التصوّر، فإنّ الغاية من الخلق ليست البقاء في الدنيا لأوقاتٍ طويلةٍ، بل المرور بتجربةٍ تخدم غايةً عليا، سواء كانت ابتلاءً للأبوين، أو رفعاً لدرجة المولود في الحياة الآخرة، أو حكمة لا ندرك تفاصيلها بسبب محدوديّة معرفتنا.
وثانياً: من منظورٍ علميّ، فإنّ مدّة الحياة لا تحدّد قيمتها أو الغاية منها، فهناك كائناتٌ تعيش ساعاتٍ وأخرى تعيش قروناً، ولا يعني هذا أنّ حياة الكائن الأطول أكثر منطقيّة، فالحياة ليست مجرّد زمنٍ ممتدّ، بل هي جزءٌ من نظامٍ قائمٍ على الأسباب والمسبّبات. فالله لم يخلق الفرد بمعزلٍ عن المجتمع أو عن سير العالم، بل خلق الكون بنظامٍ متكاملٍ تحكمه السنن الإلهيّة، ومنها القوانين الطبيعيّة التي تؤدّي أحياناً إلى وفيّاتٍ مبكّرة. هذه الوفيات ليست خارج نطاق علم الله أو قدرته، لكنّها جزءٌ من نظام أعقد من أن يُختزل في سؤالٍ جزئيٍّ عن طفل توفّي بعد أيّامٍ من ولادته.
وثالثاً: الحياة والموت كلاهما جزءٌ من نظامٍ متكاملٍ تحكمه قوانين دقيقة، وليس من الضروريّ أن تكون الحكمة من خلق الإنسان متوقفةً على بقائه طويلاً في الدنيا. فكما أنّ بعض البذور تنبت وتثمر، بينما أخرى تذبل سريعاً، فإنّ حياة كلّ إنسان تؤدّي دوراً مختلفاً في هذا التوازن الكونيّ. قد يكون لموت الطفل أثرٌ عميقُ اجتماعيّاً ونفسيّاً وهذا الأثر مقصود في حدّ ذاته، أو في أيّ سياقٍ أخر لا ندركه، لكنّه ليس حدثاً منفصلاً عن المنظومة الكونيّة الكبرى التي تسير وفق سننٍ محدّدةٍ.
ورابعاً: عدم إدراكنا لحكمةٍ معيّنةٍ لا يعني انتفاء وجودها. الإنسان محدودٌ في فهمه، وحتّى في العلم هناك ظواهر لا تزال مجهولة التفسير، فكيف يمكن للبشر أن يحيطوا علماً بحكمة الله المطلقة؟ إذا كان الطفل الذي يموت بعد أيّام يشكل إشكالاً، فلماذا لا يشكّل الطفل الذي يعيش مئة عام إشكالاً أيضاً؟ لماذا لا نقول: (ما الحكمة من أن يعيش ثمّ يموت في النهاية؟)، هذا يعكس تحكّم الافتراضات المسبقة في صياغة الإشكالات، وليس وجود مشكلةٍ حقيقيّةٍ في مفهوم الخلق نفسه.
وخامساً: إذا رفضنا فكرة الإله بناءً على هذا التساؤل، فالسؤال التالي سيكون: (إذن: لماذا يولد الطفل ويموت في نظامٍ مادّيٍّ أعمى لا هدف له؟)، فإذا كان الجواب هو: (لا يوجد سبب)، فهذا لا يحلّ المشكلة، بل يجعلها أكثر عبثيّة؛ لأنّ وجود سببٍ غامضٍ أفضل من غياب السبب تماماً. وبالتالي، فإنّ الإيمان بإلهٍ حكيمٍ يفسّر الظاهرة ضمن إطارٍ أوسع، بينما الإلحاد يتركها دون أيّ تفسيرٍ منطقيّ أو غائيّ.
وفي المحصلة، الاعتراض المطروح يقوم على رؤيةٍ ضيّقةٍ للوجود، ويغفل السياق الأوسع الذي تطرحه الفلسفة الدينيّة عن طبيعة الحياة والموت والحكمة الإلهيّة.
اترك تعليق