هل الأئمَّة ثلاثة عشر؟

السؤال: هناك جملة رواياتٍ في كتاب الكافي وغيره تدلُّ بوضوحٍ على أنَّ عدد الأئمَّة ثلاثة عشر، وقد وردت بأسانيد مختلفة، وليس لهم توجيهٌ وجوابٌ غير أنَّها من أخطاء النُسَّاخ! لكن العجيب: كيف اتفق النُسَّاخ على هذا الخطأ وتحديداً في هذه الروايات؟! من البعيد جداً أنْ يخطئوا في الروايات الخمسة جميعها ، فيغيروا نصَّاً بهذه الأهميَّة، يتعلَّق بعقيدة مركزية من عقائد الشيعة ومستنداتهم؟!

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير الأخ السائل إلى ما رواه الشيخ الكُلينيُّ (طاب ثراه) في مباحث الحجَّة من الكافي وتحديداً تحت عنوان (ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم)، وكذلك ما جاء في كتاب سُليم بن قيس الهلالي (طاب ثراه)، إليك نصَّ الروايات المقصودة في السؤال.

1ـ روى الكُلينيُّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي سعيد الخدريّ قال: (كنتُ حاضراً لما هلك أبو بكر واستُخلف عمر، أقبل يهوديٌّ من عظماء يهود يثرب، وتزعم يهود المدينة أنَّه أعلم أهل زمانه ... إلى أنْ قال: ثمَّ قال له اليهوديُّ: أخبرني عن هذه الأمَّة كم لها من إمام هدى؟ وأخبرني عن نبيِّكم محمَّد أين منزله في الجنة؟ وأخبرني من معه في الجنة؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ لهذه الأمَّة اثني عشر إمام هدى من ذرية نبيّها، وهم منّي. وأمَّا منزل نبيّنا في الجنَّة ففي أفضلها وأشرفها، جنّة عدن. وأمَّا من معه في منزله فيها فهؤلاء الاثنا عشر من ذريته») [الكافي ج1 ص531، ح8].

2ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (دخلتُ على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددتُ اثني عشر آخرهم القائم (عليه السلام)) [الكافي ج1 ص532، ح9].

3ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسنده عن زرارة قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «الاثنا عشر الإمام من آل محمَّد كلُّهم محدَّثٌ من ولد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وولد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) هما الوالدان» [الكافي ج1 ص533، ح14].

4ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسنده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إنّي واثنا عشر من ولدي، وأنت يا علي زرُّ الأرض ـ يعني أوتادها وجبالها ـ بنا أوتد الله الأرض أنْ تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا» [الكافي ج1 ص534، ح17].

5ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسنده عن أبي سعيد ـ رفعه ـ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): من ولدي اثنا عشر نقيباً، نجباء، محدَّثون، مفهَّمون، آخرهم القائم بالحق يملأها عدلاً كما ملئت جوراً» [الكافي ج1 ص534، ح18].

والأحاديث المذكورة في الكافي كلُّها ضعيفة من ناحية السند عدا الحديث الأوَّل، فإنَّه صحيحٌ من حيث السند، ولكنه محتملُ الإرسال، لكون مسعدة بن زياد من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، بينما محمَّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب من أصحاب الأئمَّة ـ الجواد والهادي والعسكري ـ (عليهم السلام)، كما نبَّه على ذلك العلَّامة المجلسي (طاب ثراه) في [مرآة العقول ج5 ص239ـ250].

6ـ وروي في كتاب سُليم عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «ألا وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض نظرة فاختار منهم رجلين، أحدهما أنا فبعثني رسولاً ونبياً، والآخر علي بن أبي طالب، وأوحى إليَّ أنْ أتَّخذه أخاً وخليلاً ووزيراً ووصياً وخليفة ... ألا وإنَّ الله نظر نظرةً ثانيةً فاختار بعدنا اثني عشر وصياً من أهل بيتي، فجعلهم خيار أمَّتي واحداً بعد واحد» [كتاب سُليم ص380].

إذا بان هذا، فلنا مع هذه الروايات بعض الوقفات، نذكرها في ضمن أمور، ومنه تعالى نستمدُّ العون والقدرة.

الأمر الأوَّل: من الواضح في ثقافة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ المتشابه لابدَّ من إرجاعه إلى المحكم حتَّى يتَّضح المراد منه بشكلٍ واضحٍ، وإلَّا فلا يجوز التمسُّك بالمتشابه وحده من دون إرجاعه إلى المحكم، لكونه يؤدِّي إلى فهمٍ مغلوط.

فمثلاً: لو اقتصرنا على قوله تعالى: ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:10] فقط، لأدَّى ذلك إلى كون الباري (حاشاه) جسمانياً وله الأعضاء والجوارح، وهو باطلٌ جزماً، لكون ذلك من المتشابه الذي يُمنع من الأخذ به وحده. ولكنْ لو أرجعناه إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، لخرجنا بنتيجة صحيحة ومقبولة، وهي أنَّ اليد في الآية السابقة كناية عن القوَّة والقدرة.

وعين الكلام في الروايات الشريفة، لأنَّ فيها محكماً كمحكم القرآن، ومتشابه كمتشابه القرآن أيضاً. [يُنظر: عيون أخبار الرضا ج2 ص261]، وعليه يلزم التدقيق في الروايات الظاهرة في خلاف المحكمات والمسلَّمات والبديهيات.

ومن البيِّن عندنا ـ بل حتَّى عند العامَّة أيضاً ـ أننا نعتقدُ باثني عشر إماماً بعد النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، أوَّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخر صاحب العصر والزمان الحجَّة بن الحسن المهدي (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ ولذلك نُسمَّى بالشيعة الإمامية، والاثني عشرية.

وعليه، فالروايات الظاهرة في كون الأئمَّة ثلاثة عشر مخالفةٌ لما هو ثابت بنحو القطع واليقين عندنا، وهو كون الأئمَّة اثني عشر إماماً؛ ولذلك تعدُّ من المتشابه الذي يلزم ردُّه إلى المحكم، كي يُفهم بشكل صحيح.

الأمر الثاني: لو دققنا النظر في هذه الروايات المذكورة لوجدناها واردة مورد الغالب، أو كانت مبتليَّةً بالتصحيف أو خللٍ في النقل أو غير ذلك، إليك بيانها تفصيلاً.

الرواية الأولى: وفيها قوله (عليه السلام): «إنَّ لهذه الأمَّة اثني عشر إمام هدى من ذرية نبيّها»، فلو تابعنا ألفاظها في موارد أُخرى لوجدناها خالية من هذا الإشكال أصلاً، مما يؤشِّر على وجود خللٍ في نقل الكُلينيّ (طاب ثراه) في هذا الموضع.

1ـ فقد روى النعمانيُّ (طاب ثراه) بسنده عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قالا:(شهدنا الصلاة على أبي بكر حين مات، فبينما نحن قعودٌ حول عمر وقد بويع إذْ جاءه فتى يهوديٌّ من يهود المدينة، كان أبوه عالم اليهود بالمدينة .... إلى قوله: فقال: أخبرني كم لهذه الأمَّة بعد نبيّها من إمام هدىً لا يضرُّهم خذلان من خذلهم؟ وأخبرني عن موضع محمَّدٍ في الجنَّة أي موضع هو؟ وكم مع محمَّدٍ في منزلته؟ فقال عليُّ: «يا يهوديُّ، لهذه الأمَّة اثنا عشر إماماً مهدياً كلُّهم هادٍ مهدي، لا يضرُّهم خذلان من خذلهم، وموضع محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) في أفضل منازل جنَّة عدن وأقربها من الله وأشرفها، وأمَّا الذي مع محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) في منزلته فالاثنا عشر الأئمَّة المهديين») [كتاب الغيبة ص95].

2ـ وروى الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أبي الطفيل قال: (شهدت جنازة أبي بكر يوم مات، وشهدت عمر حين بويع وعليٌّ (عليه السلام) جالسٌ ناحية، إذْ أقبل عليه غلامٌ يهوديٌّ عليه ثيابٌ حسانٌ، وهو من ولد هارون حتَّى قام على رأس عمر فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم هذه الأمَّة بكتابهم وأمر نبيّهم؟ قال: فطأطأ عمر رأسه .... إلى قوله: أخبرني عن محمَّدٍ كم بعده من إمام عدل؟ وفي أي جنَّةٍ يكون؟ ومن الساكن معه في جنّته؟ فقال (عليه السلام): «يا هارونيُّ، إنَّ لمحمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) من الخلفاء اثني عشر إماماً عدلاً، لا يضرُّهم خذلان من خذلهم ولا يستوحشون بخلاف من خالفهم ... الرواية») [كمال الدين ص327، عيون أخبار الرضا ج2 ص56]، وغيرهما من المصادر.

هذا، ولو أعرضنا عن هذا كلِّه، فإنَّ قوله «من ذرية نبيها» يراد منه أنَّ أغلب الأئمَّة (عليهم السلام) من ذرية النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) عدا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا الاستعمال شائع جداً في لغة العرب، نظير قولنا (للأب والأم): الأبوان، تغليباً لصفة الأبوَّة على الأمومة. وكقولنا (للشمس والقمر): القمران، وهكذا. وبناءً على هذا، فالرواية واردة مورد الغالب، وهو كونهم (عليهم السلام) من نسل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). وليس المراد منها أنهم ثلاثة عشر، كما قال السائل.

قال العلَّامة المجلسي (طاب ثراه) في هذا المجال: (قوله (عليه‌ السلام): «من ذرية نبيها» ظاهره أنَّ جميع الاثني عشر من ذرية النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وهو غير مستقيم، ويُمكن تصحيحه على ما خطر بالبال بوجوه ... الثاني: أنْ يكون قوله: من ذرية نبينا على المجاز والتغليب، فإنه لما كان أكثرهم من الذرية أطلق على الجميع الذرية تغليباً) [مرآة العقول ج5 ص239].

الرواية الثانية: وفيها قوله: «وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددتُ اثني عشر»، فإنَّ المراد منه أنَّ أغلب الأئمَّة (عليهم السلام) من ولد فاطمة (عليها السلام)، نظير ما تقدَّم في الحديث الأوَّل.

قال العلَّامة المجلسيُّ (طاب ثراه): (قوله: «من ولدها» أي الأحد عشر، أو على المجاز والتغليب كما مرَّ، وعلى الأوَّل فقوله: «فعددتُ» الفاء فيه للتفريع، أي فضممتُ إليهم أباهم وأصلهم فصاروا معه اثنا عشر) [مرآة العقول ج5 ص244].

هذا، والملاحَظ في ألفاظ حديث (اللوح) الأُخرى أنه صرَّح بأسماء الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، فكان أوَّلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وآخرهم صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)؛ ولذلك، فلو كانوا ثلاثة عشر ـ كما يقول السائل ـ لوجب ذكر الثالث عشر أسوة بباقي الأئمَّة (عليهم السلام)!

فانظر مثلاً: [الإمامة والتبصرة ص103، الكافي ج1 ص527، الغيبة للنعمانيّ ص96، عيون أخبار الرضا ج1 ص48، كمال الدين ص308، الاختصاص ص210، الاستنصار ص18، الغيبة للطوسي ص143، إعلام الورى ج2 ص174]، وغيرها من المصادر.

الرواية الثالثة: وفيها قوله (عليه السلام): «الاثنا عشر الإمام من آل محمَّدٍ كلُّهم محدَّث من ولد رسول الله»، فإنَّ المراد منه أنَّ أغلب الأئمَّة (عليهم السلام) من ولد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، نظير ما تقدَّم في الحديث الأوَّل والثاني، كما لا يخفى.

قال العلَّامة المازندرانيُّ (طاب ثراه) في هذه الرواية: (قوله «كلُّهم محدَّث» مبتدأ وخبر، وإفراد الخبر باعتبار لفظ الكل، وقوله: «من ولد رسول الله ومن ولد علي» خبرٌ بعد خبر على الظاهر، وهذا الحكم باعتبار الأكثر، والقرينة عِلْم المخاطب به) [شرح أصول الكافي ج7 ص380].

الرواية الرابعة: وفيها قوله (صلَّى الله عليه وآله): «إنّي واثني عشر من ولدي» وكذلك: «فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي»، والملاحظ في سند الكُلينيّ (طاب ثراه) أنَّه نقلها من كتاب أبي سعيد العصفريّ، وفيه لفظ: «إني وأحد عشر من ولدي» وفيه: «فإذا ذهب الأحد عشر من ولدي»، مما يعني وقوع الاشتباه في نقل الكُلينيّ (طاب ثراه)، كما هو واضح.

روى أبو سعيد العصفريّ (طاب ثراه) بسنده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إنّي وأحد عشر من ولدي وأنت يا علي زرُّ الأرض ـ أعني أوتادها جبالها ـ وقال: وتَّد الله الأرض أنْ تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الأحد عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا» [الأصول الستة عشر (أصل العصفري) ص16].

الرواية الخامسة: وفيها قوله (صلَّى الله عليه وآله): «من ولدي اثنا عشر نقيباً»، وقد نقلها من كتاب أبي سعيد العصفريّ أيضاً، وفيه لفظ: «من ولدي أحد عشر نقيباً»، ممَّا يعني وقوع الاشتباه في نقل الكُلينيّ أيضاً.

روى أبو سعيد العصفريّ (طاب ثراه) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): من ولدي أحد عشر نقيباً نجيباً [نقباء نجباء] محدَّثون مفهَّمون آخرهم القائم بالحق يملأها [يملأ الأرض] عدلاً كما ملئت جوراً» [الأصول الستة عشر (أصل العصفريّ) ص15].

هذا، ولو أعرضنا عن ذلك كلِّه، فالروايتان واردتان مورد الغالب ـ كما تقدَّم سابقاً ـ والمعنى حينئذٍ: أنَّ أغلب الأئمَّة (عليهم السلام) من ولد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)،كما صار واضحاً.

الرواية السادسة: وفيها قوله (صلَّى الله عليه وآله): «ألا وإنَّ الله نظر نظرةً ثانيةً فاختار بعدنا اثني عشر وصياً من أهل بيتي»، وهي ـ كذلك ـ مبتليَّةٌ بالتصحيف، أو هي ناظرةٌ إلى الغالب ـ كما تقدَّم في روايات الكافي ـ والشاهد على ذلك ما جاء في كتاب سُليم بن قيس نفسه، نذكر بعضاً من ذلك كشاهدٍ فقط حذراً من التطويل.

1ـ قال سُليم: سمعتُ سلمان الفارسي يقول: «كنتُ جالساً بين يدي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه ... وإنَّ الله (تبارك وتعالى) اطَّلع إلى الأرض اطلاعةً فاختارني منهم فجعلني نبيَّاً. ثمَّ اطَّلع إلى الأرض ثانيةً فاختار بعلك، وأمرني أنْ أزوِّجكِ إياه، وأنْ أتَّخذه أخاً ووزيراً ووصياً، وأنْ أجعله خليفتي في أمتي. فأبوك خير أنبياء الله ورسله، وبعلك خير الأوصياء والوزراء، وأنت أوَّل من يلحقني من أهلي. ثمَّ اطَّلع إلى الأرض اطلاعةً ثالثةً فاختاركِ وأحد عشر رجلاً من ولدك وولد أخي بعلك منك» [كتاب سُليم ص132].

2ـ وروى ـ أيضاً ـ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «يا بني عبد المطَّلب، إنكم ستلقون من بعدي من ظلمة قريش وجهال العرب وطغاتهم تعباً وبلاءً ... إلى قوله: ومن أهل بيتي اثنا عشر إمام هدى كلُّهم يدعون إلى الجنة، عليٌّ والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين، واحداً بعد واحد. إمامهم ووالدهم علي، وأنا إمام عليٍّ وإمامهم» [كتاب سُليم ص425].

3ـ وروى ـ أيضاً ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «يا سُليم، إنَّ أوصيائي أحد عشر رجلاً من ولدي، أئمَّةٌ هداةٌ مهديون، كلُّهم محدَّثون. قلت: يا أمير المؤمنين، ومن هم؟ قال: ابني هذا الحسن، ثمَّ ابني هذا الحسين، ثمَّ ابني هذا ـ وأخذ بيد ابن ابنه علي بن الحسين وهو رضيع ـ ثمَّ ثمانية من ولده واحداً بعد واحد» [كتاب سُليم ص352]. إلى غيرها من الروايات الصريحة في كون الأئمَّة اثنا عشر إماماً.

الأمر الثالث: لقد ذكر السائل أنَّه من العجيب (كيف اتفق النُسَّاخ على هذا الخطأ وتحديداً في هذه الروايات؟! من البعيد جداً أنْ يخطئوا في خمس روايات جميعها، فيغيروا نصَّاً بهذه الأهميَّة، يتعلَّق بعقيدة مركزية من عقائد الشيعة ومستنداتهم)؟

ونقول في ردِّه: إنَّ عنوان (الأئمَّة الاثني عشر) متداولٌ على ألسنة المحدِّثين والعلماء والنسَّاخ بكثرة، فهو مألوفٌ عندهم جداً، بخلاف عنوان (الأحد عشر)، وقد نبَّه العلماء على أنَّ الطِّباع تميل للكلمات المألوفة، وربما قُرئت الكلمات الغريبة واستُبدلت بكلمات مألوفة، ولذلك ذكروا أنَّ أحد قرائن الترجيح ـ فيما لو اختلفت الروايتان أو النسختان ـ هو ترجيح الكلمات الغريبة على المألوفة، لكون الذهن يأنس بالمألوف كما قلنا.

على أنَّها لو لم تكن واردة مورد الغالب، أو لم تكن مصحَّفةً لَـمَا أوردها الشيخ الكُلينيّ في باب (الاثني عشر)، إذْ إيراده لهذه الروايات يدلُّ على أنَّ المعني بها هو الاثنا عشر فقط دون زيادةٍ أو نقيصة، فتكون إمَّا مصحَّفة، أو واردةً مورد الغالب كما بيَّنا.

ويشهد لهذا ـ أيضاً ـ ورود الروايات المتواترة في ذكر الأئمَّة (الاثني عشر)، ولم يرد ما يفيد بأنهم (ثلاثة عشر) إلَّا ما يتراءى من هذه الروايات فقط؛ ولذلك فلو كانت هذه الروايات تفيد إمامة (ثلاثة عشر)، لوردت النصوص الأُخرى بلفظ: (ثلاثة عشر)، والحال أنَّه لم يرد في شيءٍ من هذه النصوص ولا في غيرها لفظ (ثلاثة عشر)، بل جميعها وردت بلفظ (اثني عشر)، وعليه، فما يتراءى من كونهم (ثلاثة عشر) مبتنٍ على حصول تصحيفٍ أو وروده مورد الغالب كما صار واضحاً.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ما تقدَّم، أنَّ الضرورة عندنا قائمةٌ على كون الأئمَّة اثني عشر إماماً فقط، أوَّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم الإمام الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)، وأنَّ الأخبار الظاهرة في غير ذلك مبتليَّةٌ بالتصحيف أو الاشتباه في النقل أو ما شاكل ذلك، كما بيناه تفصيلاً .. والحمد لله ربِّ العالمين.