هل عليّ (ع) هو نفس النبيّ (ص)؟
السؤال: أشكل بعض أهل السنة على استدلال الشيعة بآية المباهلة، واعتبارهم أنَّ كلمة (أنفسنا) تعني أنَّ النبي والإمام علي (عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام) نفسٌ واحدة، فقالوا: إنَّ هذا الفهم يُحمّل الآية ما لا تحتمله لفظاً ولا معنى، إذ لم تقل الآية (نفسَنا) بالإفراد، ولو قالت لما دلّت دلالةً قطعيَّةً على هذا المعنى، فكيف والحال أنها بالجمع؟ كما أن النبي وعلياً كلاهما له نفسٌ مستقلة، ولم يقل أحد إنّ نصارى نجران – المُخاطبين بـ(أنفسكم) – كانوا نفساً واحدة أو متحدين في الصفات، بل إنّ هذا الفهم يُشبه إلى حدٍ ما عقيدة الأقانيم في المسيحيَّة التي تقوم على اتحاد أشخاصٍ في كيان واحد. فما هو الرد على هذا الإشكال؟
الجواب:
لنقض هذا الإشكال من جذوره، سنقوم بالردّ عليه من عدّة وجوه، كالتالي:
أوّلاً: من الخطأ أن يُفهم أن لفظ (أنفسنا) يقتضي أنّ كلّ مَن تشملهم الكلمة متساوون في كلّ شيء، أو أنّهم ذواتٌ واحدةٌ بالمعنى الحسيّ أو التكوينيّ، بل يكفي أن يكونوا داخلين في دائرة النفس من حيث المقام أو الانتماء.
وقد ورد في القرآن استعمال (أنفسهم) في غير معنى الاتّحاد التكوينيّ، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء: 29]، والمقصود: لا يقتل بعضكم بعضاً، ولم يقل أحد إنَّ القوم ذواتهم واحدةٌ في الكيان الحسيّ، ومع ذلك استُعملت الكلمة بلفظ النفس، للدلالة على أنّهم كالجسد الواحد من حيث الترابط والتماهي في الانتماء.
وثانياً: لم يصطحب النبيّ (صلى الله عليه وآله) جميع بني هاشم، ولا جميع من يمكن أنْ يُعدّ من (أنفسنا) باعتبار القرابة أو الانتماء، بل جاء برجلٍ واحدٍ فقط هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وجاء بابنَيه الحسن والحسين، وبالزهراء، كما في رواية مسلم: «دعا رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي» [صحيح مسلم ج7 ص121].
وبذلك يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد عيّن بفعله من تنطبق عليهم مضامين الآية من الأنفس والأبناء والنساء، فلا يجوز بعد هذا الاعتراض على فهم الشيعة؛ لأنّ الدلالة انتقلت من الإطلاق إلى التعيين بالفعل النبويّ، وقد نزلت الآية قبل المباهلة، ففسّرها النبيّ (صلى الله عليه وآله) بفعله، وفعله تشريع، ولا يصحّ صرف النظر عنه.
وثالثاً: لو سلّمنا أن (أنفسنا) جمعٌ يُراد به أكثر من واحد، فما المراد بها – إذن - في مقام التطبيق؟ مَن هم الذين يُحتمل أنْ يصدق عليهم عنوان (أنفسنا) سوى النبيّ؟ فالنبيّ نفسه لا يمكن أنْ يدخل تحت لفظ (أنفسنا) من دون مجاز أو تفكيك؛ لأنّ ظاهر الخطاب أنّه موجّهٌ إلى النبي: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ} [آل عمران: 61]، فهل يعقل أن يقول: (ندعو أنفسنا) وهو الفرد المتكلم؟!
إنّما المراد: ندعو مَن ينطبق عليه عنوان (أنفسنا) بعد استبعاد المتكلّم نفسه، فثبت أنّ المقصود هو الإمام عليّ (ع)؛ إذ لَـم يدّعِ أحدٌ من المسلمين أنّ النبيّ (ص) جاء معه يوم المباهلة بأبي بكر أو عمر أو العبّاس أو غيرهم، فإمّا أن يكون النبيّ (ص) قد أخلّ بشرط المباهلة، أو أنّ علياً هو الوحيد الذي يصدق عليه عنوان (أنفسنا)، وهو ما يدلّ عليه النصّ صراحة.
مضافاً إلى أنّ هناك أحاديث أخرى تؤكّد أنّ منزلة الإمام علي (ع) هي من منزلة نفس رسول الله، فقد نقل النسائيّ عن أبي ذر قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي، ينفذ فيهم أمري، فيقتل المقاتلة ويسبي الذرية. فما راعني إلّا وكفّ عمر في حجزتي من خلفي: مَن يعني؟ فقلت: ما إيّاك يعني ولا صاحبك، قال: فمَن يعني؟ قلت: خاصف النعل، قال: وعليّ يخصف نعلاً» [سنن النسائي ج5 ص127-128].
ورابعاً: أمّا بخصوص تشبيه تفسير الشيعة للآية بعقيدة النصارى بالأقانيم فبعيد؛ لأنّ المقصود من إطلاق (النفس) في هذا السياق هو بيان مرتبة المقام، لا مرتبة الكيان، أي: أنّ عليّاً (عليه السلام) أقرب الخلق إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وأنّه جزءٌ لا ينفصل عن كيانه الرساليّ. ومن هنا، فإنّ قياسَ فهم الشيعة للآية على عقيدة النصارى في الأقانيم قياسٌ باطلٌ من جهة أنّ الأقانيم عند النصارى تعني وحدة الذات الإلهيّة في ثلاثة أشخاص، وهي عقيدةٌ قائمةٌ على مفهوم اللاهوت المتعدّد في الظاهر المتوحّد في الجوهر، وهو غير مطروحٍ أصلاً في الاستدلال الشيعيّ، فلا أحد يقول إنّ عليّاً هو النبيّ في ذاته، وكلّ ما قيل فهو أنّ الإمام علي (عليه السلام) هو الأقرب مقاماً والأعلى رتبةً بعد النبيّ (ص)، وقد أُشرك في المباهلة في مقام (النفس)، ولم يُشرك فيها أحد من الصحابة، ولا حتّى أحد من بني هاشم الآخرين.
وفي المحصلة، القول بأنّ الإمام عليّ هو نفس رسول الله (ص) في آية المباهلة، لا يعني الاتّحاد الذاتيّ أو الكيانيّ، وإنّما يدلّ على القرب المعنويّ، والمقام الرساليّ، والتكافؤ في العصمة والطهارة والمشاركة في مشروع الهداية، وقد عبّر القرآن عن ذلك بأعلى أساليب المجاز والتشريف، وجاء الفعل النبويّ ليقطع الشكّ ويؤكّد أنّ هذا المعنى لا يشاركه فيه أحد. وهذا الفهم ليس غلواً، ولا تحميلاً للنصّ ما لا يحتمل، بل هو الفهم الذي دلّت عليه سياقات النصوص، وصرّح به رسول الله (ص)، وتواترت عليه الأمّة بطرقٍ متعدّدةٍ، ومَن أراد أن يُضعّف هذا الاستدلال فعليه أن يجيب عن سؤالٍ بسيط: لِـمَ لَـمْ يأتِ النبيُّ (ص) إلّا بعليّ وفاطمة والحسنين (ع)؟
اترك تعليق