محمد بن الحنفيَّة والكيسانيَّة

السؤال: هل أسس محمد بن الحنفيَّة فرقة الكيسانيَّة؟

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

هذا الزعم لا أساس له من الصحة، فإنّ الكيسانيَّة تعتقد إمامة محمّد بن الحنفيَّة من بعد الحسين (عليه السلام)، وتعتقد غيبته في جبال رضوى، وأنّه المهدي. في حين لم يدّعِ محمّد الإمامة لنفسه، ولم يُروَ عنه في جميع مصادر الفرق - ولو خبرٌ ضعيفٌ - أنّه إمام زمانه وأنّه سيغيب ويرجع، بل كان موافقاً لأئمّة الهدى (عليهم السلام)، قائلاً بإمامتهم.

لقد نشأت فرقة الكيسانيَّة على الأرجح بعد وفاة محمّد بن الحنفيَّة [ت81هـ]، فكيف يكون هو مؤسسها؟! قال الشيخ المفيد: (وفي عدم النصّ على محمّد من الرسول (ص) أو من أبيه أو من أخويه (ع) أيضاً دليلٌ على بطلان مقال من ذهب إلى إمامته، وكذلك عدمُ الخبر المتواتر بمعجزٍ ظهر عليه عند دعوته إلى إمامته - إذ لو كان لكان ادّعاها - برهانٌ على ما ذكرناه. مع أنّ محمّداً (رض) لم يدع قط للإمامة لنفسه ولا دعا أحداً إلى اعتقاد ذلك فيه) [الفصول المختارة ص300].

وقال الشريف المرتضى: (ومنهم مَن قال بإمامة محمّد بن الحنفيَّة (رضوان الله عليه)، وهؤلاء أحد فرق الكيسانيَّة، ويبطل قول هؤلاء إذا ادّعوا في محمّد بن الحنفيَّة ما نوجبه للأئمّة من العصمة وغيرها، وحملوا أنفسهم - أعني هؤلاء القوم من الكيسانيَّة - على هذه المقالة، وقد بيّنا على ذلك أنّ ابن الحنفيَّة ما زال تابعاً لأخويه (عليهما السلام)، مقدّماً لهما على نفسه، راجعاً إليهما، ومعوّلاً عليهما، والمفضول لا يكون إماماً، وحالهما (عليهما السلام) في العلم والفضل عليه ظاهرة لا تخفى على مَن سمع الأخبار، وبعد فإنّه حضر البيعة لهما بالإمامة، وكان راضياً بهما، غير منازعٍ ولا منكرٍ، والتقيّة منهما عنه زائلة، فكيف يكون مع كلّ ذلك إماماً دونهما؟) [الشافي في الامامة ج3 ص146ـ147].

وقال السيد الخوئيّ: (فإنّ محمّد بن الحنفيَّة لم يدّعِ الإمامة لنفسه حتّى يدعو المختار الناس إليه، وقد قُتِل المختار ومحمّد بن الحنفيَّة حيّ، وإنّما حدثت الكيسانيَّة بعد وفاة محمّد بن الحنفيَّة) [معجم رجال الحديث ج19 ص109].

وتوجد نصوص عديدة حول اعتقاد ابن الحنفيَّة الإمامة وبعده عن الكيسانيَّة، نذكر منها:

ما رواه الشيخ الصفار بسنده عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ذكرت الكيسانيَّة وما يقولون في محمّد بن علي، فقال: ألا يقولون عند مَن كان سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما كان في سيفه من علامةٍ؟ كانت في جانبيه إنْ كانوا يعلمون، ثمّ قال: إنّ محمّد بن علي كان يحتاج إلى بعض الوصيّة، أو إلى شيء ممّا في وصيّة فيبعث إلى عليّ بن الحسين فينسخه له) [بصائر الدرجات ص198].

وما نقله الشيخ الكشيّ عن أبي بصير، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان أبو خالد الكابليّ يخدم محمّد بن الحنفيَّة دهراً وما كان يشكّ في أنّه إمام حتّى أتاه ذات يوم فقال له: جعلت فداك، إنّ لي حرمةً ومودّة وانقطاعاً، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلّا أخبرتني، أنت الامام الذي فرض الله طاعته على خلقه؟ قال: فقال: يا أبا خالد، حلّفتني بالعظيم، الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) عليَّ وعليك وعلى كلّ مسلم، فأقبل أبو خالد لما أن سمع ما قاله محمّد بن الحنفيَّة، جاء إلى عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فلمّا استأذن عليه فأخبر أن أبا خالد بالباب، فأذن له، فلمّا دخل عليه دنا منه قال: مرحباً بك يا كنكر، ما كنتَ لنا بزائر، ما بدا لك فينا؟ فخرّ أبو خالد ساجداً شاكراً لله تعالى ممّا سمع من عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتّى عرفتُ. فقال له عليّ: وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟ قال: إنّك دعوتني باسمي الذي سمّتني أمّي التي ولدتني، وقد كنتُ في عمياء من أمري، ولقد خدمتُ محمّد ابن الحنفيَّة عمراً من عمري ولا أشكّ إلّا وأنّه امام، حتّى إذا كان قريباً سألته بحرمة الله وبحرمة رسوله وبحرمة أمير المؤمنين فأرشدني إليك وقال: هو الإمام عليّ وعليك وعلى خلق الله كلّهم، ثمّ أذنتَ لي فجئتُ فدنوتُ منك سمّيتني باسمي الذي سمّتني أمي، فعلمتُ أنّك الامام الذي فرض الله طاعته عليَّ وعلى كلّ مسلم) [اختيار معرفة الرجال ج1 ص337].