هل كان أبو طالب (ع) نبيَّاً؟

السؤال: هل كان أبو طالب (عليه السلام) نبيَّاً، وإذا صحَّ ذلك فلماذا لم يُعلن نبوَّته للناس؟

: الشيخ نهاد الفياض

 الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

بداية لابدَّ أنْ يُعلم بأنَّ النبوَّة من أصول الدين وأركانه؛ ولذلك فلابدَّ من إثباتها بدليلٍ قطعيٍّ، كورودها في القرآن الكريم أو في السنة المتواترة أو المحفوفة بالقرائن القطعيَّة، كما هو واضحٌ وبيِّن.

إذا بان هذا ـ عزيزي السائل ـ فاعلم بأنَّنا بعد البحث والتفتيش لم نعثر على ما يدلُّ على نبوَّة أبي طالب (عليه السلام) بخبرٍ صحيحٍ فضلاً عن أنْ يكون متواتراً؛ ولذلك فلا دليل ـ ظاهراً ـ يدعم القول بنبوَّته (عليه السلام).

نعم، لا شك في أنَّ مقام أبي طالب (عليه السلام) عند الله تعالى عظيمٌ وكبيرٌ ولكنَّ عظم المقام والشأن لا يستلزم النبوَّة وإلَّا فأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) أعلى شأناً ومقاماً كما هو واضح، ومع ذلك لم يكونوا من الأنبياء، بل الوارد في الأخبار النهي عن القول فيهم أنَّهم من الأنبياء وإنْ كانوا (عليهم السلام) أعلى رتبةً ومقاماً من الأنبياء [يُنظر: الكافي ج1 ص ٢٦٨].

نعم، القدر المتَّفق عليه في بعض الأخبار وكلمات بعض الأعلام أنَّ أبا طالب (عليه السلام) كان من الأوصياء، وليس من الأنبياء.

من ذلك:

1ـ ما رواه الشيخ الكلينيُّ (طاب ثراه) بسنده عن أمية بن علي القيسي قال: حدَّثني درست بن أبي منصور أنه سأل أبا الحسن الأوَّل (عليه السلام): «أكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) محجوجَاً بأبي طالب؟ فقال: لا، ولكنه كان مستودَعاً للوصايا ... إلى أنْ قال: فقلتُ: فما كان حال أبي طالب؟ قال: أقرَّ بالنبيِّ وبما جاء به، ودفع إليه الوصايا ومات من يومه» [الكافي ج1 ص445].

نعم، بناءً على نقل الصدوق (طاب ثراه) فلا شاهد فيها، وذلك لورود اسم (آبي) بدل اسم أبي طالب [يُنظر: كمال الدين ص665].

2ـ وقال الشيخ الصدوق (طاب ثراه) في باب الاعتقاد في آباء النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «وروي أنَّ عبد المطَّلب كان حُجَّة، وأبا طالب كان وصيُّه» [الاعتقادات في دين الإماميَّة ص110].

3ـ وقال المجلسيُّ الأب (طاب ثراه) في قول أبي طالب عند خطبة السيِّدة خديجة «وجعلنا الحكَّام على الناس» ما نصُّه: (أي: قريشاً على سائر العرب، أو بني هاشم على قريش أو على العرب، أو كان يَعْلم من جهة آبائه أنَّهم يصيرون كذلك، أو صار ملهماً به، فإنّه روي أنَّه كان من أوصياء إبراهيم وإسماعيل كما كان أبوه عبد المطَّلب (عليه السلام) كذلك) [روضة المتَّقين ج8 ص151].

4ـ وقال العلَّامة المجلسيُّ (طاب ثراه) في ضمن كلامٍ له: (وأمَّا أبو طالب، فإنَّه كان من أوصياء إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، وكان حافظاً لكتبهم ووصاياهم) [بحار الأنوار ج17 ص ١٤٢].

وقال أيضاً (طاب ثراه): (أجمعت الشيعة على إسلامه وأنَّه قد آمن بالنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في أوَّل الأمر، ولم يعبد صنماً قط، بل كان من أوصياء إبراهيم (عليه السلام)) [بحار الأنوار ج35 ص ١٣٨].

5ـ ونقل العلَّامة الأمينيُّ (طاب ثراه) عن كتاب ضياء العالمين للفتونيّ، وفيه: «روي أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قيل له: من كان آخر الأوصياء قبل النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): فقال: أبي» [الغدير ج7 ص ٣٨٩].

هذا، ويُمكن استفادة كونه (عليه السلام) من الأوصياء والأولياء ـ أيضاً ـ من أمثال ما رواه الشيخ الكلينيّ (طاب ثراه) بالإسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي (صلَّى الله عليه وآله) حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب فلم تزل معها حتَّى وضعت فقالت، إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: وما ترين؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب فبينما هما كذلك إذْ دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: ما لكما، من أي شيءٍ تعجبان؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت، فقال لها أبو طالب: ألا أبشرك؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنَّكِ ستلدين غلاماً يكون وصيَّ هذا المولود» [روضة الكافي ج8 ص302].

ومن أمثال ما رواه الفقيه ابن شاذان والشيخ الطوسيّ والكراجكيّ (طيَّب الله ثراهم) بالإسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «والذي بعث محمَّداً بالحق نبيَّاً، إنَّ نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلَّا خمسة أنوار، نور محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، ونوري، ونور فاطمة، ونوري الحسن والحسين ومن ولده من الأئمَّة؛ لأنَّ نوره من نورنا الذي خلقه الله (عزَّ وجلَّ) من قبل خلق آدم بألفي عام» [مائة منقبة ص174، أمالي الطوسيّ ص305، كنز الفوائد ص80]. وغيرهما مما يدلُّ على علو شأنه ورفعة مقامه، كما لا يخفى على المطالِع.

وقد يُقال: إذا كان نور أبي طالب (عليه السلام) يوم القيامة يُطفئ أنوار الخلائق حتَّى الأنبياء، فهو يدلُّ على كونه أعلى رتبةً منهم، مما يستدعي كونه من الأنبياء؟ فنقول: كلَّا، وذلك لانتقاضه بأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، لكونهم أفضل الخلق وهم ليسوا من الأنبياء، كما ذكرنا سابقاً.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّه لم يثبت كون أبي طالب (عليه السلام) من الأنبياء بدليلٍ مُعتبرٍ، وإنَّما الثابت أنَّه من الأوصياء ومن أصحاب الشأن والمقام العظيم عند الله تعالى وحُججه الطَّاهرين .. والحمد لله ربِّ العالمين.